الإثنين، 29 تشرين2/نوفمبر 2021

رائد الحواري

عندما يكون الموضوع المطروح في الأدب مؤلم، لا من وجود/ استخدام طريقة تخفف على المتلقي شيئا من هذا الألم، وهذا ما يحسب للأدب، فهو ليس صورة فوتوغرافية عن الواقع، بل لوحة فنية، حيث يتم تقديم الفكرة بأسلوب وأشكال جميلة وممتعة، فترسخ بذهن المتلقي، وهذا ما نجده في مجموعة "خمسون ليلة وليلى" للفلسطيني يسري الغول، فالعنوان مثير لما فيه من تغريب، فكان من المفترض أن يكون "خمسون ليلة وليلة، لكن القاص يغرب (وليلة) لتكون "وليلى" التي نعرفها من خلال قصة "ليلى والذئب"، وهذا الأسلوب استخدم في أكثر من قصة، وإذا أضفنا استخدام الفانتازيا نكون أمام مجموعة متميزة، حيث استطاع القاص أن يقدم صورة الموت/ الدمار في غزة بطريقة مختلفة عن أقرانه، تبعد المتلقي قدر الإمكان عن دموية الأحداث، لكن مع إيصال الحدث.

في قصة "عزيزتي فانيا" يتناول الغول مأساة الفلسطيني في غزة، علماً بأن المجموعة في غالبيتها تتحدث عن غزة من خلال استحضار المرأة/ فانيا وإرسال رسالة لها أولاً، فمشاهد الموت الدامية التي تحملها الرسالة كثيرة: "سأقول لها إنني في زمن الحرب صرت ماء أتقي مصارع الجدران والأثاث الخشبي والمعدني/ فقد خلعت أعضائي عضوا عضوا، وتحللت مني حتى لم أعد عالقا بين الركام كما حدث مع زوجتي وأبنائي الذين لم يتعلموا كيفية التحول إلى أشياء أخرى" ص9، بهذه الفانتازيا استطاع القاص تمرير مشاهد الحرب، فرغم أن الصور مؤلمة، إلا أن أسلوبه خفف حدة ذلك الألم، وبما أن الخطاب موجه للمرأة/ فانيا فإنه قد أسهم في (تلطيف) الأجواء، حيث أن للمرأة لمسة ناعمة/هادئة على الكاتب وعلى المتلقي.

في قصة "ما لم تبح به شهرزاد" يزاوج بين طريقة سرد ألف ليلة وليلة وبين أقول وحكم لكتاب وفلاسفة من الغرب، وبين التراث الديني وما فيه من أحدايث نبوية وآيات قرآنية بطريقة جميلة وسلسلة، واعتقد أن هذه القصة كانت من القصص المتميزة في المجموعة: "إن الحب يهبط على المرأة في لحظة سكون، مملوءة بالشك والإعجاب. (زيلز)

....بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد، أن قوما استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، والبعض الآخر أسفلها" ص24، وبعدها يدخلنا إلى الصراع بين فتح وحماس بطريقة سلسة وهادئة، ويوصل فكرة الإنهيار الذي أصاب المجتمع الفلسطيني في ظل الانقسام.

في قصة "لوحة من مطر" يتحدث عن لقاء شخص فلسطيني من غزة مع فلسطينية من لبنان، وكيف ان الموت يلاحق الفلسطيني إينما كان: "مات أبي وجميع أخوتي في بيروت عام 1982، وبيقت أنا وأمي وحيدتين، بعد أن قامت الكتائب اللبنانية باغتصابنا أمام أعين الجميع" ص40.

وفي قصة "إلى نتاشا مع خاص الحب" يجمع/يزاوج مأساة الفلسطيني مع مأساة إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا، "أوسينيا" التي حاولت التحرر والانعتاق من هيمنة الاتحاد: "إننا نريد دولتنا دون الحاجة لتبليسي "اللعينة" إننا نريد الانفصال كسوخومي، أليس لنا الحق أن نعيش كغيرنا من بلدان هذا العالم اللعين؟" ص45.

في قصة "المبعوثون في عتمة الخطيئة" يتحدث عن تخيل مستقبل المنطقة العربية بطريقة الفانتازيا:

"ـ ماذا عن العرب؟

ـ تقصد البلاد العربية؟

 

ـ لقد أضحت ثلاث وأربيعين دولة" ص58.

وفي قصة "قبر حزين" يتحدث عن ميت يحتج على ما يجري له في موته: "لقد جئت إلى هنا كي أستريح فلماذا يحدث هذا لي؟! لنا؟! لقد بات موتنا في خطر" ص63، الجميل في هذه القصة الفانتازيا التي جاءت بها، فرغم أن الحديث يدور عن ميت وأموت، وقصف ودمار إلا أن طريقة الفانتازيا خففت كثيرا من تلك المشاهد الدامية.

وفي قصة "ظلال مدينة بعيدة" تتحدث ما معاناة الفلسطيني في أراض 48 وكيف أن ظلم وقهر المحتل يؤدي إلى المقاومة: "كنت استمع لفيروز وهي تغني لمدينة الصلاة حين قمت بدهسهم واحدا واحدا حتى التف أحد الجنود حولي يطلق نيران رشاشعه، يبكي خوفا ورعبا ، وفي يدي سكين تجهز على من تبقى منهم، بينما أصعد إلى أعلى وأنا أضحك وأضحك وأضحك.

داخل قبري لملمت أحزاني ونمت منتظرا الموت" ص75، اللافت في هذه القصة أنها استخدمت الفانتازيا، فرغم بداياتها: "داخل قبري" والتي تكررت أربع مرات في القصة إلا انها طريقة تقديمها والحوار الذي تم بين القاص وبطلة القصة خفف شيئا من هذا السواد، كما أن نهايتها بقتل اكبر عدد من جنود الاحتلال سهم في تخفيف حجم السواد فيها.

في قصة "أنقاض على واجهة الشمس" تتحدث عن الميت الذي سيخرج للصحفيين ليحدثهم عما وجد/رأى في موته: و"لم ينتظر الصحفيون إنارة المقبرة كي يبصروا ما حدث بعد ذلك، فقد كانت لحظة خاطفة حين فتح القبر وخرج منه ذلك الشاب، يمسح الدم عن ملابسه الممزقة بينما فراشة ملونة فوق كتفه خرجت من قبر مجاور.

وصرخ الصحفيين بصدح بأسئلة لا تنتهي

ـ اخبرنا من اين انت

ـ هل أنت في الجنة أمن نحن في النار" ص87، نلاحظ أن القاص كلما كان المشهد داميا أكثر، لما دخل في الفنانازيا أكثر، وكأنه بها يخفف من وطأة الألم والسواد الذي يحمله المضمون.

في قصة العنوان "خمسون ليلة وليلى" يدخلنا إلى قصة شارل بيرو صاحب قصة "القبعة الحمراء" والتي تتماثل مع قصة ليلى واذئب، والجميل في هذه القصة أنه يؤكد على أهمية رواية الحدث/ما جرى، فسرد الحكاية يتوازى/يتماثل مع الوجود/الحياة، فمن خلال قص/رواية/حكاية الحدث يكون الراوي/القاص/الحاكي حيا وموجودا: "لأن إكسير الحكاية كان يمنحني كل يوم حياة جديدة" ص92، وبما أن القص جاء على لسان أنثى، فإن له اثر ناعم على المتلقي، ويضيف الفانتازيا التي جاءت بها القصة: "لا أعرف إن كنت أنا من يحدثكم الآن أم روحي التواقة للبقاء بين الكتب والأساطير، لكنني لم أستسلم وسأظل أخرج برداء جديد وأموت، دون أن أسمح للذئب مجددا بقتل جدتي أو عشريتي" ص97، وهذا ما جعلها من القصص المتميزة في المجموعة.

في قصة "جنة ثانية" تتحدث عن عالم الشهيدة وكيف تمضي إلى جنتها بعيدا عما هو أرضي.

في قصة "اختطاف" والتي يكثر فيها مشاهد قصف الطائرات وما تبثه من موت ودمار، استخدم القاص (تقطيع) القصة إلى مقاطع وكأنه بها يضع (استراحة) للمتلقي لكي يرتاح من المشاهد الدامية.

في قصة "كتاب الزمن" يعود بنا القاص إلى زمن ماضي "1815" ويدور حوار بينه بين أمريكي في ذلك الزمن.

في قصة "سفر غرناطة" يحدثنا عما جرى في اسبانيا والممالك العربية بطريقة الفانتازيا، ومستخدما التناص مع الآيات القرآنية كتخصيب أضافي للقصة: " دام الحصاؤ سبعة أشهر عجاف حتى هلك الزرع والنسل، فقال أهل غرناطة لمليكهم:

ـ ائتنا برؤية أو حلم فيه بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، علنا نعود بعد السبع إلى سابق العهد، فتشرق الأرض بنور ربها" ص126، الجميل في هذه القصة تقطيعها إلى مقاطع، وهذا أضاف عنصر تجميل آخر إلى القصة، وهذا ما جعلها من القصص المتميزة في المجموعة.

المجموعة من منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، الطبعة الأولى 2020.