الطبقات الثلاث للتفكير الفلسطيني

بكر أبوبكر

 

بكر أبوبكر

يقول طبيب التشريح تخيل أننا على طاولة العمليات ونحتاج إلى إفساح المجال لجزء من دماغ المريض. بعد عبور طبقة من الجلد والعضلات، سنصل إلى الجمجمة ، وهي بنية عظمية تحمي الدماغ. ومع ذلك، إذا خُضنا من خلال حماية العظام هذه ، فإننا لا نجد أنفسنا مباشرة مع الدماغ لكننا سنجد سلسلة من الأغشية التي تحيط بالجهاز العصبي. تسمى هذه الأغشية السحائية.

السحايا هي مجموعة من الطبقات الواقية تقع بين الجهاز العصبي المركزي وحماية العظام على مستوى الدماغ والحبل الشوكي. على وجه التحديد ، يمكنك العثور على سلسلة من ثلاثة أغشية تقع واحدة تحت الأخرى ، وتلقي من أكثر خارجية إلى أكثر داخلية اسم الجافية الأم ، العنكبوتية والأم الحنون . من خلال تعميم سوائل مختلفة تساهم في الحفاظ على نظافة الدماغ وتغذيته ، يتم تقطيعها وترويها بواسطة أوعية دموية مختلفة.

على الرغم من أننا عندما نتحدث عن السحايا ، نعتقد بشكل أساسي عن الأغشية التي تغطي الدماغ ، من المهم أن نشير إلى أن هذه الهياكل تغطي كامل الجهاز العصبي المركزي وليس فقط الدماغ ، وأيضا حماية الحبل الشوكي.

وهذه الأغشية تحمي الانسان والجهاز العصبي وتسمح للدماغ بالبقاء صحيًا ومستقرًا.

هذه المعلومة التشريحية القديمة الجديدة للبعض أثارتني حين عملت على فهم طريقة التفكير التي تسيربحذر بين المتناقضات بالحياة عامة، وكيف تحافظ عليها في ذات الحيزالمكاني فتدعها تتصارع أو تهدّيء فيما بينها، أوتفك الاشتباك بينها (أقصد الأفكار) ومع ذلك تتعايش استنادا لعوامل داخلية فقد ترجّح فكرة على غيرها، أو قوى خارجية قد تدفع باتجاه تزحزح فكرة وتعملق أخرى.

 

صراع في نفس المساحة المشتركة

كيف يفكر الثائر الفلسطيني أو الثائر العربي أو الثائر عامة وهو يعيش مجتمعًا فاسدًا يتناقض مع معتقداته، أو يعيش واقعًا لا يقبله ولكنه بالواقع والتطبيق الفعلي يعيش فيه؟

كيف يتفاعل الشخص مع ما لديه من مجموعات من الأفكار المتصارعة، والتي لم تستطع أن تطرد إحداها الأخرى... فتعايشت أو تآلفت، أو أخفت إحداها الأخرى الى حين!

هذا بالحقيقة ما دعاني للنظر في الدماغ الانساني وقشرة الدماغ لأفهم أن الأغشية الثلاثة التي تحمي المخ والدماغ عامة والجهاز العصبي على اختلاف وظائفها هي تتعاون معًا للحماية والدعم.

وفي حالتنا الفكرية نحتاج للطبقات الحامية الثلاث لغرض الحفاظ على دماغ الصراع (قد تسميه جهاد الداخل-فتح الله كولن، أوالحرث في حقل الذات-علي شريعتي، وصراع الأفكار الحية والأفكار الميتة لدى مالك بن نبي) في إطاره، ولنستطيع أن نجد محلًا في العقل تستطيع فيه مركبات (الفجور والتقوي في قوله تعالى: فألهمها فجورها وتقواها) حيزًا ما مشتركًا تتصارع فيه.

في الصراع الداخلي أي بين الأنسان وأفكاره المستقرة والوافدة والمنبثقة مساحة مشتركة.

وفي الصراع الخارجي أي بين الانسان والواقع القائم المُعاش شكل آخر له تفاصيله.

والتوازن في إطار النضالية والرسالية والديمومة حياة.

وفي كلا الصراعين (الداخلي الذاتي، والخارجي مع المحيط) أجد أن الفهم لاستقرار الحالة أو لاستقرار الإنسان ينطلق من الطبقات الثلاثة التي نقتبسها من فكرة الأغشية الحامية للدماغ، ليس بشكل آلي، ولكن بمنطق الثلاثية المغلِفة ما قد يفسح المجال لتفسير جيد-ربما- لمضمون التفكير عند الفلسطيني أو العربي أو الثائر الذي يخوض صراعين هما كما أسلفنا الداخلي الذاتي، والخارجي الواقعي وبينهما طبقة حماية ثالثة.

كان هذا الجزء الاول من 3 أجزاء