د. عبدالرحيم جاموس يكتب : هل تغير الولايات المتحدة من سياستها تجاه فلسطين في عهد جو بايدن..؟!

هل تغير الولايات المتحدة من سياستها تجاه فلسطين في عهد جو  بايدن..؟! 
 
بقلم / د. عبد الرحيم جاموس 
 
 
لا يختلف الباحثون في السياسة والعلاقات الدولية، على توصيف الكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين، على كونه كيان وظيفي إرتبط وجوده بالحركة الإستعمارية الغربية التي إستهدفت الوطن العربي إثر إنهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وخضوع فلسطين للإحتلال البريطاني الذي أخذ على عاتقه إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، الذي تبلور بعد ثلاثون عاما من الإحتلال البريطاني بإعلان قيام (دولة إسرائيل) على ما نسبته 78% من أرض فلسطين، وقد واصلت الدول الغربية ذات التاريخ الإستعماري رعايته ودعمه وتزويده بالبشر والمال والسلاح حتى غدا أقوى دول منطقة الشرق الأوسط، بل أقوى من مجموع الدول العربية مجتمعة، ليؤدي وظيفته في حماية المصالح الإستعمارية الغربية، وإدامة حالة التجزئة والتخلف وعدم الإستقرار في الوطن  العربي ، لكن الكفاح العربي والفلسطيني المتواصل بالوسائل المختلفة، قد أدى إلى تحجيم هذا الدور الوظيفي المنوط به،  الذي تبلور  في  حالة الصمود المتجذرة لدى الفلسطينيين في أرضهم سواء منها داخل الأراضي المحتلة للعام 1948م والذي يبلغ عددهم اليوم أكثر من مليون ونصف نسمة، أو في الأراضي المحتلة عام 1967م في القدس والضفة وقطاع غزة والذين يربو عددهم على خمسة ملايين نسمة، هذا الصمود الذي ادى  إلى كسر  المشروع الصهيوني ووضعه في مأزق وجودي لا يجدي معه إستخدام قدراته العسكرية المتفوقة، الشيء الذي أدى إلى الإعتراف الدولي بحق الشعب الفلسطيني في الوجود فوق أرضه وحقه في العودة و تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967م وعاصمتها القدس، وقد إعترفت الجمعية العامة بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس كدولة عضو مراقب في الأمم المتحدة بوجب القرار19/67 وقد أكسبت هذه الصفة الدولة الفلسطينية الحق بالإنضمام لكافة المنظمات الدولية المتخصصة والعامة المنبثقة عن الأمم المتحدة، وكذلك الإنضمام الى  الإتفاقات والمعاهدات الدولية، وفي ظل جملة التحولات والتغيرات الإقليمية والدولية وتمسك الشعب الفلسطيني وقيادته بالحقوق المشروعة غير القابلة للتصرف وبالإستناد إلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما يحظى به الموقف الفلسطيني من دعم وتأييد دولي واسع تجلى في جملة القرارات الأممية ومواقف الدول الداعية إلى تسوية شاملة تضع حداً لهذا الصراع المزمن على أساس مبدأ حل الدولتين، تتأكد الأزمة الوجودية للكيان الصهيوني والأزمة الأخلاقية مما حدى بالولايات المتحدة أن تنفرد بدعم الكيان الصهيوني في المحافل الدولية والتغطية على مواقفه الإجرامية في حق الشعب الفلسطيني ومواقفه الرافضة للتسليم بضرورة إنهاء الإحتلال وما نتج عنه من إستيطان وتزوير ومصادرة لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وفي ظل إدارة الرئيس ترامب تطور الموقف الأمريكي الداعم والمؤيد للكيان الصهيوني إلى درجة التبني الكامل لتطلعاته التوسعية والإفتئات والتجاوز على قواعد القانون الدولي وعلى قرارات الشرعية الدولية التي تؤكد على عدم جواز ضم أراضي الغير بالقوة ، وإتخاذ سلسلة  المواقف الأمريكية  المنفردة والمنفلته والأحادية بإعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وغض النظر بل و التأييد لإستمرار الإستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967م، وأكثر من هذا فرض  سلسلة من العقوبات على الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية الثابتة والمتمسكة بالحقوق المشروعة لشعبها، والمستندة إلى عدالة القضية الفلسطينية وإلى القانون الدولي والشرعية الدولية، وحاولت إدارة الرئيس دونالد ترامب  على مدى  اربع سنوات من ولايته المنصرمة أن يسوق لصفقة سياسية تؤدي إلى تصفية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في محاولة منها لإنقاذ الكيان الصهيوني من أزمته الوجودية والوظيفية، كي تعيد الإعتبار لدوره ووظيفته في خدمة المصالح الإستعمارية الغربية، خصوصاً مع تقلص نفوذ الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط والعالم على السواء وظهور قوى إقليمية ودولية تنافس الولايات المتحدة على المستوى الإقليمي والدولي، و سعت  الولايات المتحدة بهذه السياسات أن تحمل الشعب الفلسطيني وقيادته وعلى رأسها الرئيس أبو مازن مسؤولية الإخفاق في تحقيق التسوية التصفوية الشاملة للصراع، وأخذت بفرض سلسلة من العقوبات عليها بدءاً من وقف عمل ممثلية م.ت.ف في واشنطن إلى القرارات الخاصة بالقدس وهيئة الأونروا ووقف  دعم السلطة الفلسطينية، الذي يتوجب على أمريكا أن تقدمه كإستحقاق مادي لدعم العملية السياسية الهادفة إلى الوصول إلى تسوية نهائية للصراع.
كما سعت الولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني للإطاحة بالقيادة الفلسطينية وحصارها مادياً وسياسياً، لفرض قيادة بديلة ترضخ لهذه الإملاءات الأمريكية الصهيونية، وبهذه السياسة الهوجاء تكون الولايات المتحدة في زمن الر؛يس ترامب  قد وضعت نفسها في مواجهة الشعب الفلسطيني وقيادته وفي مواجهة القانون الدولي والشرعية الدولية، نيابة عن الكيان نفسه وكأن المعركة معركتها،  مستغلة الظرف الراهن للدول العربية التي تئن تحت  وطأة نتائج (الربيع العربي) المدمر للجيوش العربية والمجتمعات والدول العربية وتحت وطأة التحديات الإقليمية الناتجة عن الأطماع الإيرانية  والتركية والصهيونية على السواء.
لكن هذه المساعي الخبيثة في إستبدال القيادة الفلسطينية قد ووجهت بالرفض المطلق من قبل الشعب الفلسطيني وفصائله ونخبه السياسية والإقتصادية والفكرية ..الخ على السواء، لأنه لا يمكن أن يوجد الفلسطيني الذي يقبل بلعب مثل هذه الأدوار التفريطية والخيانية وخصوصاً ما يتعلق منها بالقدس واللاجئين وحق العودة وتقرير المصير، وسيبقى الشعب الفلسطيني هو من يحدد من يمثله ومن يقود نضاله.
إن مثل هذه السياسات الخرقاء التي حاولت فرضها الولايات المتحدة سوف تعمق الأزمة الوجودية والوظيفية للكيان الصهيوني لأنها محكومة بالفشل، وستؤدي إلى إطالة عمر الصراع ودفعه إلى مستويات وأبعاد أكثر تعقيداً كما ستؤدي إلى إنهاء إمكانية التوصل إلى حل يقوم على مبدأ الدولتين، وسيشرع الباب أمام حل الدولة العنصرية الواحدة، ويستعيد إستنساخ النظام العنصري الذي كان مهيمناً في جنوب إفريقيا، والذي ثارت عليه الشعوب الإفريقية، وساندتها شعوب العالم  إلى أن قُبرَ قبل نهاية القرن العشرين، فالمعركة اليوم في فلسطين المحتلة  لم تَعُد مقتصرة على الكيان الصهيوني وإنما باتت تتضح معالمها أكثر فأكثر مع رعاة وملاك هذا المشروع وعلى رأسهم الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس ترامب.
السؤال الذي يطرح نفسه بعد سقوط الرئيس ترامب وتولي الرئيس الديمقراطي جو بايدن مقاليد البيت الأبيض  والذي لايقل صهيونية عن باق ِ الرؤساء  الامريكان ، هل ستغير الولايات المتحدة بزعامة جو بايدن هذة السياسات  المنحازة والمتبنية لمواقف اليمين الصهيوني الحاكم ..؟!
لا شك ان هناك تباين  مهم بين سياسات  ترامب وبين الرئيس جو بايدن على مستوى السياسات الداخلية والخارحية ، المطلوب من الإدارة الأمريكية الجديدة ان تعيد التوازن لسياساتها الخارجية بشكل عام وإزاء القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي بصفة خاصة وان تصحح الإنحراف الذي احدثته مواقف وسياسات الإدارة السابقة وتأكيد الإلتزام بقواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية  واسس عملية السلام  المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع في المنطقة ، والعمل على اطفاء بؤر التوتر المختلفة في المنطقة ، والتعاون مع بقية القوى الدولية  والإقليمية  لإقرار الأمن والسلم في منطقة الشرق الأوسط والعالم ... في ظل ما يواجه العالم من ازمات اقتصادية تفاقمت في ظل استمرار جائحة الكورونا ...
إن التراجع عن المواقف  والسياسات الرعناء   الداخلية والخارحية السابقة لإدارة ترامب  هو مفتاح الحل لهذة الازمات الداخلية الامريكية  وتمهيد الطريق نحو  دور اكثر فاعلية  وقبولا للولايات المتحدة في صناعة السياسة الدولية وتخفيف حدة التوتر على المستوى العالمي والعمل على  اطفاء بؤر الصراعات والنزاعات المتفجرة  ومنها الصراع العربي الإسرائيلي  عبر احترام قواعد القانون الدولي والتقيد بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية الخاصة به واحترام مبادىء واسس عملية السلام المتجمدة بسبب الإنحياز الأمريكي الذي تجسد في المواقف المنحازة لرؤيا الصهيونية  بشكل سافر في خطة صفقة القرن الترامبية ، فلا بد من اعلان سقوطها والتراحع عنها ،  والإعلان عن قبول شراكة دولية فاعلة في اقرار تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي  يحفظ الحقوق النشروعة للشعب الفلسطيني ممثلة في حق العودة وتقرير المصير واقامة دولة فلسطين المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس ... وعدم القفز عنها ومواصلة سياسات  السعي الى تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية ، دون حل القضية الفلسطينية  ..لأن ذلك لن ينهي الصراع إنما يمهد لإحداثِ دورات عنف جديدة في فلسطين وفي مختلف دول المنطقة ...فالحكمة والشرعية الدولية تقتضي ان ينتهي الكيان الصهيوني عن استمرار  اطماعه التوسعية  وان ينهي احتلاله للأراضي العربية والفلسطينية  وان يمكن الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة غير القابلة للتصرف ليسود الأمن والسلام عموم المنطقة العربية ..فهل تضع ادارة الرئيس بايدن هذة القضية الفلسطينية على سلم اهتماماتها وان تنجح فيما اخفقت فيه الإدارات الأمريكية السابقة من  التوصل الى تسوية حقيقية  مقبولة وتحقق الأمن والسلام لجميع الأطراف   ، الأيام المقبلة  والسياسات المنتظرة لإدارة بايدن عليها ان تجيب على هذة التساؤلات .
د. عبد الرحيم محمود جاموس
عضو المجلس الوطني الفلسطيني 
E-mail: pcommety @ hotmail.com
الرياض  30/01/2021م