المرأة الفلسطينية والعنف في أراضي الـ 48 ... واقع وتحديات 1/2

 

شريف حسني الشريف

مقدمة

يتجلى العنف في بعض صوره كخطاب اقصائي و يتخذ أشكالاً عدة، كما يندرج في اطار السلوك البشري. وقد عملت تجليات الحضارة ونداءات التقدم والرقي على تهذيبه، في إطار المساعي العلاجية للحد من أضراره. وذلك بعد اليأس من استئصاله، حيث يكمن في صميم الوجود البشري، مستعينة بوسائل واساليب شتى كالقانون والقيم ونداءات المساواة وصيحات الحقوق. التي عملت نوعا ما على التخفيف من وطأته، دون الخلاص النهائي منه، ومن النتائج السلبية الناجمة عنه.

يبرز واقع المرأة الفلسطينية في أراضي الـ 48 مثالا حيا، لواقع العنف ضد المرأة في سياق تتبع واقعها القائم على معاناة مزدوجة، من منظومة قوانين عنصرية تهمش الآخر وتقصيه، وفي ظل قيم اجتماعية متجذرة  تضع المرأة في الدائرة الضيقة، كزوجة أو عاملة أو ربة منزل، أو كطرف أضعف في سياق الهيمنة الذكورية، ومساعي التأكيد عليها. اضافة إلى مستجدات تبرز كعامل غير متوقع تضفي طابعها على مسيرة المرأة، مما يراكم تعقيدات لم تكن في الحسبان منها إغلاقات جائحة كورونا.

مع استمرار الإغلاقات لمواجهة كورونا، برزت معاناة الفئات المهمشة، وفي المقدمة منها النساء المعنفات. والجدية التي  رافقت فرضَ الإغلاقات تلاشت تماما فيما يتعلق بملف العنف ضد النساء، والذي أودى بحياة منهن في البلدات العربية.

في اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، والذي أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة أنه أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً واستمراراً وتدميراً في عالمنا اليوم. حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بتاريخ 6/4/2020، من إسقاطات التداعيات الناتجة عن جائحة كورونا على النساء، و ناشد الحكومات بذل الجهود لحماية النساء والفتيات من العنف الأسري، الذي يتصاعد مع ملازمة مئات الملايين من الناس حول العالم منازلهم، فيما أشارت الأمم المتحدة إلى فقدان ملايين النساء لأعمالهن ووظائفهن بسبب الفيروس.

معطيات حول العنف ضد المرأة في الـ 48

أظهرت المعطيات الصادرة عن مؤسسة «فيتسو» المعنية بقضايا المرأة في دولة الاحتلال الاسرائيلي، أن التبليغات عن حالات العنف، بلغت 60 حالة من كل يوم من عام 2018، فيما بلغ عدد ملفات العنف بين الأزواج 22,974، منها 23% ضد المرأة العربية، في تزايد عن العام السابق. و ارتفاع عدد النساء المتوجهات للملاجئ بوصفهن ضحايا للعنف بنسبة 21%، مع انخفاض أعداد المختصين العاملين في مراكز منع العنف. وأشار مصدر آخر إلى ارتفاع عدد التوجهات اليوميّة للتبليغ عن حالات عنف أسري بنسبة 412% إثر أزمة كورونا، وفرض إجراءات العزل المنزلي. و بحسب مراقبين يزداد العنف ضد المرأة، مع تزايد وتيرة العنف بشكل عام في المجتمع العربي، وفق المعطيات السنوية. في ظل تقاعس مدروس للشرطة الإسرائيلية، والسلطات التابعة لحكومة الاحتلال، عن القيام بدورها في سياق الضبط والحد من السلوكيات العنيفة، وضبط الأشخاص الذين ينتهجون العنف دون رادع، والعمل على إيجاد حلول جذرية لآفة مدمرة للنسيج المجتمعي. اضافة لتعامل المؤسسات الرسمية الاسرائيلية باستهتار وتمييز، ولم تقم بإعطاء الأولوية لملف العنف ، ولم ترصد الميزانيات اللازمة لمكافحته، كما لم يتم فتح ملاجئ كافية بما يتناسب مع ازدياد عدد النساء المعنفات في ظل أزمة كورونا المتواصلة.

وقد أكدت المسوحات الميدانية لمركز البحوث الاجتماعية التطبيقية «ركاز» في (جمعية الجليل) على ازدياد العنف المجتمعي في البلدات العربية بشكل عام، وضد النساء بشكل خاص. و يقارب عدد النساء العربيات اللواتي تعرضن لأحد أشكال العنف في العام 2018 رقم 105,000. كما وصلت نسبة العنف ضد النساء في التجمعات السكنية المختلطة إلى 60.8%، بواقع 59.1% تعرضن لعنف كلامي أو نفسي و20.9% للعنف الجسدي. وما يقارب 20,000 من النساء العربيات تعرضن لاعتداء أو تحرش جنسي خلال العام 2018. وحوالي 67,000 امرأة عربية تعرضن للعنف عبر الشبكات الإلكترونية. و حوالي 230,000 من النساء العربيات (47.2%) أفدن أنهن لا يشعرن بالأمان و أنهن مهددات.

وبالاستعانة بالأرقام بينت نائلة عواد مديرة «جمعية نساء ضد العنف»،  تلقي 600 توجه لمراكز المساعدة من نساء تعرضن للعنف من شهر كانون الثاني، وحتى حزيران 2020، مقارنة بالعام 2019، إذ تم تلقي 700 توجه على مدار العام، وارتفعت نسبة التوجهات لمراكز المساعدة الخاصة بجمعية نساء ضد العنف منذ شهر آذار 2020 حتى منتصف شهر أيار إلى 42%، اضافة لباقي التوجهات للمراكز الأخرى. و كشهادة على تزايد العنف يبرز الازدياد في مأوى النساء المعنفات الذي أسس عام 1993، حيث لا توجد أماكن شاغرة للنساء في المآوي الحالية، ومن ضمن 14 مأوى للنساء بشكل عام، يخصص إثنان منها فقط  للنساء العربيات، وبحسب الإحصائيات المتوفرة فإن 44% من النساء المتواجدات في مراكز المأوي هن عربيات. وبسبب الإغلاق و الحجر المنزلي، تعرضت النساء للعنف بشكل أكبر، فالحجر أنتج احتكاكا أكثر مع الرجل العنيف، مما تسبب بزيادة التوتر، ودرجات العنف. كما تعاني المرأة في النقب والقرى غير المعترف بها، من التقصير المضاعف بحقها؛ من تقصير سياسي، ومجتمعي وإجحاف على جميع الأصعدة. وبخصوص دور السلطات المحلية في محاربة العنف ضد المرأة، وبعد تفحص  خطط 17سلطة محلية بما يخص قضية العنف ضد النساء لم يعثر إلا خطة واحدة تحت مسمى «الإنترنت الآمن»، لا تشمل مواضيع المساواة وتكافؤ الفرص والاحترام. وأعادت كورونا إنجازات ومكانة النساء بشكل عام للأدوار النمطية، حيث أصبحت 70% من النساء في خانة البطالة.

وقد سبق للحكومة الاسرائيلية إعلان خطة وطنية لمناهضة العنف ضد النساء وحددت ميزانية 250 مليون شيكل، ولم يتم تنفيذ الخطة لذرائع عديدة. فالحكومة تخلت عن المسؤولية، رغم التوقيع على معاهدة مناهضة التمييز ضد المرأة وعلى قضية 13/25 التي تنص على توفير الامن والامان للنساء في اوقات الحروب والنزاعات والطوارئ.

اعتبرت الناشطة النسوية ومديرة جمعية «كيان ــ تنظيم نسوي»، رفاه عنبتاوي أن تداعيات الازمة أدت إلى تراكم الضغوط الاجتماعية والنفسية والأسرية، وازدياد ملف العنف الأسري عموما، وضد النساء خصوصا، من خلال ازدياد توجه النساء المعنفات إلى الجمعيات النسوية، وخطوط المساعدة التي تديرها المؤسسات النسوية؛ وبسبب وقوع نساء هن مهدات بالأصل في مخاوف وضغوطات صحية ومادية ونفسية لم يكنّ معتادات عليها، ويفتقرن وعائلاتهن للخبرة أو الجاهزية للتعامل مع مثل هذه الحالة غير المألوفة. فالمرأة التي كانت مهددة في السابق، أصبحت معنفة في ظل الأزمة. و العنف بأشكاله المختلفة، موجود قبل كورونا، وتواجد أكثر ضمن حالة الحجر الصحي والمنزلي، وعلى الرغم من تنوع المتوجهات، فإن أغلب الحالات تتأتى من الأسر التي تعاني من حالة اجتماعية و اقتصادية متردية.

أسباب العنف:

1) الوضع الاقتصادي، وقلة فرص العمل بالنسبة النساء في البلدات العربية. حيث تؤدي التغيرات في الوسط المحيط لظهور العنف في العائلة، كما ينعكس العنف الخارجي على العائلة، ركيزة المجتمع الأساسية.

2) المستجدات التي فرضها وباء كورونا ساهمت في تأزيم الوضع الذي تعيشه النساء العربيات في ظل أزمة البطالة، بسبب تقليص عدد العمال في القطاع الخاص والعام، وانعدام مصادر الدخل، وتواجد الأزواج وأبناء العائلة بشكل دائم في المنزل بسبب الاغلاق المفروض، مما أدى لاضطرار النساء للتواجد في البيت، والذي اصبح بيئة غير آمنة بشكل دائم.

3) التقييدات على التجول والحجر الصحي، والضغط النفسي الذي يعاني منه الجميع، هذه العوامل مجتمعة تساهم في نشوء بيئة خصبة لتفاقم العنف ضد النساء.

4) التعامل بأساليب ونظرة خاطئة، وبدون وعي كاف لمناهضة العنف المجتمعي بشكل عام، والعنف ضد المرأة، مما يتسبب بتداعيات تؤثر على مختلف قطاعات وشرائح المجتمع.

5) سلطة الذكور التي تمارس على النساء بطريقة خاطئة، مما يولد العنف ضد النساء.

شهادات حول العنف

فيروس كورونا ترك آثارا عديدة على النواحي الاجتماعية، شملت كافة مجالات الحياة في أراضي الـ 48 بدءا من الاقتصاد و ارتفاع معدلات البطالة، والخلل الكبير والنقص الحاد على مستوى تأمين المعدات واللوازم الصحية، والطواقم الطبية، مرورا بالآثار الاجتماعية الناجمة عن آليات مواجهة الوباء، والعزل الاجتماعي والتباعد كأسلوب وقائي، ومن ذلك أيضا قضية النساء العاملات اللواتي اضطررن للبقاء في المنزل بسبب الاغلاق للحد من تفشي الوباء سعيا للسيطرة عليه. وتراجع وضع الكثيرات  في ظل الجائحة، على كافة الصعد مع بروز ظاهرة التعنيف المستمر. سعيا لإبراز المشاكل التي تواجه النساء، قامت المخرجة سهى عرّاف،  بتوثيق شهادات نسائيّة في ظل الجائحة.

·        الشهادة الأولى، قررت إنهاء الزواج بسبب التعرض للتعنيف المستمر التعنيف، الذي ترك آثارا وندبات على جسدي، و الانطلاق في حياة جديدة مع أبنائي، حتى أتت كورونا. قضيت الفترة الأولى بجانب أبنائي، لكن في الإغلاق الثاني لم أستطِع التوفيق بين عملي، والمهام المنزلية، زملائي في العمل غير راضين عن عملي حاليا، فمن الصعب عليهم تفهُّم وضعي كمُعيلة وحيدة محصورة في المنزل مع طفلين. ولكي أستطيع الاستمرار، لا أفكّر في الغد، وأعيش كل يوم منفردا؛ أبني برنامجا يوميا وأحاول تحقيقه والالتزام به، أنا أعاني وأعيش يوميا مأساة اقتصادية، وأخرى نفسية.

·        أبلغ من العمر 36 عاما، من الناصرة لدي 3 أبناء، كنت أعمل مركّزة قطرية لمشروع خدمات لأشخاص مع إعاقة وعائلاتهم في موضوع تحصيل الحقوق في مؤسسة «تجويند»، انتقل عملي إلى المنزل بسبب كورونا، ولم أستطع أن أقوم بكل شيء، فالمسؤوليات كثيرة في ظلّ ظروف تفاقمت تدريجيا، أنا في صراع دائم مع الوقت،. أصبحت أشبه بقنبلة موقوتة، في ظلّ محاولاتي الجمع بين إخلاصي لعملي، وبين بيتي وأبنائي، لم أستطع احتواء الوضع، أنهار بشكل يومي. و زوجي لم يستوعب معاناتي، أشعر بوحدة قاتلة، وأنني أواجه الأزمة وحدي، قررت الاستقالة من عملي، كي لا أخسر نفسي وأولادي وعقلي.

·        أبلغ من العمر 37 عاما، وأعمل محامية وممثلة للنساء في جمعية «نساء ضد العنف». لدي ابنان، تزوجت عام 2010، و توفي زوجي بعد 5 سنوات من زواجنا، اضطررت لإكمال بناء منزل خاص،  أتأقلم  جيداً مع الظروف لكن كورونا، فاقمت شعوري بالإحباط.  لا يوجد لدي فصل ما بين ساعات العمل والساعات التي أقضيها في المنزل مع أبنائي. أنا محبطة جدا ومتعبة. فترة كورونا مأساة حقيقية، نحن ندفع الثمن كنساء، أدركت أنه يجب أن أساعد نفسي، وإدراك أنيِ لستِ مثالية وليس بمقدوري القيام بالواجبات بشكل كامل، يساعدني على الاستمرار.