التفاوض غير المباشر في الناقورة.. بين الشكل والمضمون

حسن حردان
رفض التنازل في الشكل أمام العدو الصهيوني ليس مجرد أمر ثانوي لا معنى له، وإنما هو لتثبيت قواعد أساسية في المضمون، لأنّ التفاوض غير المباشر، مع العدو الصهيوني، هو بحدّ ذاته استمرار للمعركة معه، بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من أبعاد سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية، لا سيما أننا أمام عدو محتلّ وخبيث يتقن فنون استغلال كلّ شيء، مهما كان صغيراً أو شكلياً، لتوظيفه في خدمة أهدافه ومخططاته ومحاولة تحقيق أيّ مكاسب، مهما كان حجمها، لمصلحته…
تحديد الموقف المبدئي من حزب الله وحركة أمل والذي يعبّر عن موقف كلّ الأحزاب والقوى الوطنية، في ما خصّ التحفظ على تركيبة الوفد اللبناني الذي ضمّ مدنيّين إلى جانب عسكريين، إنما كان لإعادة التصويب والتأكيد على أنّ التفاوض غير المباشر ليست له علاقة بأيّ أبعاد أخرى غير البعد التقني البحت، والتأكيد أيضاً على أنّ اتفاق الإطار ثبّت قواعد فرضت سابقاً في التوصل إلى تفاهم نيسان ١٩٩٦، وبعده، وهي التفاوض غير المباشر، بين عسكريين، عبر الأمم المتحدة، إنما هو:
أولاً، تفاوض بين عدوّين على مسائل تقنية بحتة ليس لها أيّ بعد سياسي أو اقتصادي.
وثانياً، إفهام العدو بأنّ عليه أن يدرك، من بداية التفاوض غير المباشر إلى النهاية، بأنه لا يستطيع الرهان على تحقيق أيّ مكسب حتى ولو بالشكل، على حساب لبنان، ليس فقط في مياهه الإقليمية أو أراضيه المحتلة.. بل ولا في دفع لبنان إلى التراجع أو قبول المساومة على موقفه المبدئي من الصراع العربي الصهيوني، والذي تشكل القضية الفلسطينية الجوهر والأساس فيه..
وفي هذا السياق يمكن التنويه بأنّ أداء الوفد المفاوض في الجولة الأولى من هذه المفاوضات التي انطلقت بالأمس في الناقورة، برعاية الأمم المتحدة وحضور مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر، جاء منسجماً مع القواعد التي حدّدها اتفاق الإطار الذي توصّل إليه الرئيس نبيه بري مع المسؤولين الأميركيين.. فقد ترجم رئيس الوفد اللبناني العميد بسام ياسين بدقة هذه القواعد، بالشكل والمضمون، حيث وجه، خلال إلقاء كلمته، رسالة واضحة في اتجاهين:
اتجاه أول، بالشكل، رفض مخاطبة أو التوجه في حديثه إلى الجانب الصهيوني على طاولة المفاوضات، وإنما توجه العميد ياسين، في كلمته، مباشرة مخاطباً باللغة العربية، ممثل الأمم المتحدة والمسؤول الأميركي…
اتجاه ثان، بالمضمون، تأكيد أنّ التفاوض على تحديد الحدود، إنما ينطلق من الخط الدولي المرسوم والمثبت وفق اتفاقية الهدنة عام ١٩٤٩… وأنّ الاتفاق الذي سيتمّ التوصل إليه، في نهاية هذه المفاوضات، لن يكون نهائياً وساري المفعول إلا عندما يحظى بموافقة السلطات التنفيذية والتشريعية اللبنانية…
وقد ترجم الوفد اللبناني هذا الموقف الواضح، في الشكل والمضمون، برفضه الخروج من خيمة التفاوض اثر انتهاء الجولة الأولى، لالتقاط صورة تذكارية مع الوفود المشاركة، وانتظر في الخيمة حتى اتخذت الصورة التذكارية بين ممثل الأمم المتحدة والمسؤول الأميركي والوفد الصهيوني، ومن ثم مغادرة الأخير للمكان وتجاوزه السياج الحدودي، بعد ذلك أقدم الوفد اللبناني على الخروج من الخيمة والتقط صورة تذكارية مع ممثل الأمم المتحدة والمسؤول الأميركي فقط…
انطلاقاً مما تقدّم، فإنه لم يكن من الضروري أن تتضمّن تشكيلة الوفد اللبناني مدنيّين، وكان بالإمكان تجنّب ذلك في اللحظة الأخيرة، بأن يتمّ إبقاء المدنيّين اللذين تمّ ادراجهما في عداد الوفد، في مقرّ قيادة الجيش في اليرزة لمتابعة مجريات التفاوض مباشرة عبر التواصل عند الضرورة، عن بعد، مع العسكريين الذين يتولون التفاوض… وذلك كمخرج للحؤول دون «الانجرار الى ما يريده العدو الصهيوني من خلال تشكيلته لوفده المفاوض الذي يضمّ بأغلبه شخصيّات ذات طابع سياسي واقتصادي». لا سيما أنّ العدو يرغب بأيّ شكل من أشكال التطبيع، والإيحاء بأنّ لبنان يخطو خطوة في الاتجاه الذي سلكته بعض الأنظمة العربية.. خصوصاً أن لا مصلحة للبنان بأن يمنح العدو مثل هذه الفرصة التي تصوّر له بأنّ الضغوط الأميركية المالية والاقتصادية، التي تسبّبت بمفاقمة الأزمة في لبنان وتفجيرها، تنجح في تليين الموقف اللبناني وزحزحته عن ثوابته، وبالتالي المراهنة من قبل العدو على أنّ زيادة هذه الضغوط ستمكنه من انتزاع تنازل من لبنان في ما خص تحديد نقطة الانطلاق في الناقورة لبدء عملية الترسيم البحرية، أو لناحية انتزاع تنازل بإعطاء المفاوضات أبعاداً سياسية واقتصادية، وهي تنازلات عجز العدو عن تحقيقها بواسطة القوة العسكرية.. بعد هزائمه المتتالية أمام المقاومة التي نجحت بنتيجة ذلك في فرض معادلات الردع وتوازن الرعب في مواجهته، شلت قدرة جيش الاحتلال على تنفيذ اعتداءاته ضدّ لبنان ومنعته من السطو على ثرواته الغازية والمائية في البحر والبر…
أضف إلى ذلك فإنّ أيّ تراجع بالشكل يعطي انطباعاً لدى واشنطن بأنّ خطتها في العمل على محاولة إحداث شرخ في العلاقة التحالفية بين حزب الله المقاوم ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون والتيار الوطني الحر، بدأت تحقق مبتغاها، وبالتالي فإنّ ذلك يشكل تشجيعاً لواشنطن على مواصلة الرهان لتحقيق ذلك باعتباره هو المدخل لتغيير المعادلة السياسية في لبنان لمصلحة السياسة الأميركية، عبر فرض حكومة اختصاصيين يُقصى عنها حزب الله وحلفاؤه، ومن ضمنهم التيار الوطني…
من هنا المطلوب العمل سريعاً لقطع الطريق على هذه الخطة الأميركية الصهيونية، وذلك من خلال جعل الجولة الثانية من المفاوضات، بعد ١٤ يوماً، تنسجم مع اتفاق الإطار بحيث إما يُعاد النظر في تشكيلة الوفد لتقتصر على العسكريين، أو يقتصر حضور الجلسة الثانية على ضباط الجيش اللبناني، وفرض ذلك بالمثل على الجانب الصهيوني… وبامكان إبقاء بقية الأعضاء المدنيين من الوفد اللبناني في اليرزة يتابعون المفاوضات ويتواصلون مع العسكريين، الذين يتولون التفاوض غير المباشر، عندما تستدعي الحاجة لأخذ آرائهم بشأن المسائل التقنية…
هذا المخرج يشكل حلاً للخلاف الحاصل بشأن تركيبة الوفد، من جهة، ويقطع الطريق على محاولات واشنطن وتل أبيب للاستفادة من الخلاف من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة يعزز موقف المفاوض اللبناني لانتزاع حقوق لبنان كاملة غير منقوصة في البحر والبر، وإحباط كلّ ألاعيب العدو الصهيوني لتحقيق أيّ مكاسب ولو كانت صغيرة.. لا سيما أنّ لبنان المقاوم اليوم بات أقوى بكثير مما كان عليه عام ١٩٩٦، عندما نجح في فرض تفاهم نيسان الذي سلّم فيه العدو بحق لبنان في مقاومة الاحتلال في الأراضي اللبنانية المحتلة وتحييد المدنيين في العمليات العسكرية.. وعندما أجبر جيش الاحتلال على الرحيل عن معظم الأراضي المحتلة في الجنوب والبقاع الغربي يجرّ وراءه أذيال الهزيمة والخيبة والذلّ والمهانة، وعندما ألحق لبنان المقاوم الهزيمة الإستراتيجية والتاريخية المدوية بجيش العدو خلال عدوانه عام 2006…

لهذا كله يجب أن تكون المفاوضات غير المباشرة تكريساً وتعزيزاً لإنجازات لبنان المقاوم وبالتالي زيادة الصلابة في موقفه، بالشكل والمضمون…