بيروت : للمرة الأولى مساواة في صفوف الضباط المتخرجين بين إناث وذكور

 

"إنجاز نوعي للنساء اللبنانيات في 2022: للمرة الأولى مساواة في صفوف الضباط المتخرجين بين إناث وذكور"، أعدته الوكالة الوطنية للإعلام، هذا نصه:

تبقى المرأة اللبنانية عنوان المناضلة والمثابرة، التي لا ولن نستسلم مهما صعبت الظروف، وستواصل مسيرتها لتحقيق الأفضل لها ولمجتمعها وعائلتها.

وللمرة الأولى في العام 2022، يتساوى عدد الضباط الذكور مع عدد الضباط الإناث بين المتخرجين في الكلية الحربية برتبة ملازم، مما يدل على تطور المجتمع اللبناني وتغير في الصورة النمطية للمرأة، وتقدير الجيش اللبناني للقدرات والمؤهلات التي تختزنها النساء، وهو ما يفسح في المجال أمام اللبنانيات للوصول إلى مراكز صنع القرار في قطاعي الأمن والدفاع.

يذكر أن طليعة الدورة هي ضابط أنثى، وأن وصول النساء إلى هذه المراكز كان من الأهداف المتوخاة في الخطة الوطنية لتطبيق قرار مجلس الأمن 1325 حول المرأة والسلام والأمن، نظرا إلى الدور القيادي الذي يمكن للنساء أن يؤدينه في صنع القرار وفي الحفاظ على الأمن والسلام.

كذلك، سجل ارتفاع في عدد النساء اللواتي دخلن الندوة البرلمانية في الانتخابات النيابية للعام 2022، بحيث ارتفع من 6 إلى 8، علما ان الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية تسعى الى وضع اقتراح قانون للكوتا النسائية يقضي بتعديل مادة واحدة من قانون الانتخابات النيابية لتضمينه كوتا محددة.

ومع دخول اتفاقية "سيداو" موضع التنفيذ في عامها الاربعين، وهي الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة، والتي اعتمدت على انها مشروع قانون دولي لحقوق المرأة ينص على المساواة بين الرجل والمرأة وحقوق الانسان والحريات الاساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية، أطلقت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية بالتعاون مع "الاسكوا"، خطة عمل لمناهضة العنف ضد المرأة والفتاة 2019 - 2029.

وبما أن لبنان من الدول الموقعة على اتفاقية "سيداو" من بين 20 دولة عربية، فهو ملزم بالموافقة الضمنية على بنود الاتفاقية، وعلى الدولة اتخاذ جميع التدابير المناسبة لتعديل القوانين والممارسات القائمة على التمييز ضد المرأة، أو لإلغائها، ونذكر منها على المثال: منع التجارة بالمرأة واستغلالها وتمكينها من التصويت في الانتخابات على قدر المساواة مع الرجل، وحصولها على التعليم والرعاية الصحية والمعاملات المالية والحقوق الملكية.

إن اتفاقية "سيداو" دعت إلى المساواة المطلقة بين المرأة والرجل في جميع الميادين، بمعنى النظر إلى المرأة كفرد سواء كانت عزباء أو متزوجة أو مطلقة أو أرملة، والغاء التمييز ضدها، وتمكينها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وصحيا مع تحديث قوانين الأسرة وتحديد سن الزواج، ولكن يا للأسف، تحفظ لبنان الذي انضم إلى هذه الاتفاقية في العام 1996 عن البند المتعلق بمنح المرأة حقا مساويا لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالها والبنود المتعلقة بالحقوق المتساوية في الزواج.

والسؤال المطروح اليوم: ما هي التحديات التي تواجه المرأة والحقوق التي تسعى إلى نيلها؟ وهل فعلا ما زالت المرأة سجينة أطر اجتماعية وصور نمطية تنشرها وسائل الإعلام؟ ولماذا كلما تحدثنا عن حقوق المرأة يطالب الرجل بإنصافه وكأن حصول المرأة على حق من حقوقها ينتقص من حقوق الرجل ويكون على حسابه؟

إن وضع المرأة اللبنانية يحتاج إلى الكثير ليتساوى مع وضع الرجل في التشريعات والقوانين، فهناك الكثير من الإجحاف والتهميش بحقها، ولكن العمل جدي ودؤوب من السلطات المعنية من أجل تنزيه القوانين المجحفة بحقها. وقد تم في هذا الإطار إنشاء شبكة من المحاميات والمحامين المختصين بالمرافعة أمام المحاكم المدنية والشرعية والروحية في قضايا تثار فيها مسألة حصول حالات عنف ضد النساء.

وعلى الرغم من ذلك، تشارك المرأة اللبنانية الرجل في مختلف الميادين، وهذه المشاركة وحريتها باختيار مستقبلها المهني والعائلي جاءت نتيجة نضال وجهود مؤسسات المجتمع المدني وجمعيات أهلية ومواطنين، لتتمكن من تكوين صورة نموذجية ومميزة عن مثيلاتها في البلدان العربية، على رغم تشابه الأجواء الاجتماعية والعادات. فإضافة إلى أنها أم وزوجة في المنزل، إلا أنها محاربة ومناضلة يحسب لها حساب في ميادين العمل، أكان في الشأن العام السياسي أم الاجتماعي، محققة نتائج مرضية في هذا الإطار.

وعلى هذا الصعيد، أطلقت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية في حزيران 2022، بالتعاون مع مجموعة البنك الدولي ووزارة الاقتصاد والتجارة، سلسلة من الندوات التثقيفية الالكترونية القانونية لتأسيس عمل خاص بعنوان: "أسسي عملا خاصا بك".

إن إلغاء القوالب النمطية التي تميز ضد النساء في لبنان، موضوع متشعب، وعميق الجذور في المجتمع، ومسؤولية الاعلام لا تقع فقط على إبراز دور المرأة الأم التي نجحت في تحقيقها المرأة اللبنانية، فإن السيدة المعاصرة المثقفة والعاملة في جميع القطاعات سواء السياسية، أو الاقتصادية، أو الطبية، أو التعليمية، يضيء الإعلام اللبناني على جهودها ويثني على قدراتها، بحيث اصبحت صور هذه السيدات الرائدات في مجتمعنا تحتل أغلفة المجلات التي تفرد مساحات كبيرة لنقل تجربتهن المهنية، بعدما احتلت لعقود من الزمن صور النساء الشابات اللواتي لم تتعد أعمارهن الثلاثين أغلفة هذه المجلات.

ومن المفارقات أن البرامج الحوارية talk shows في لبنان، أصبحت تستضيف عناصر نسائية طويلة الباع في الحياة العامة، مفسحة أمامها في المجال للتعبير عن رؤيتها ومواقفها من مختلف التطورات في كل الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية. وللإعلام اليوم دور كبير في تغيير الصورة النمطية للمرأة، وفي هذا الإطار نفذت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية بدعم من الاتحاد الأوروبي عددا من ورش العمل التي هدفت إلى توعية الإعلاميين على دور الإعلام في تكريس الصور والقوالب النمطية وأهمية التغيير في مقاربته لمختلف قضايا المرأة وتفعيل دورهن في تحطيم هذه القوالب.

يذكر أن التقدم في تغيير المقاربة الإعلامية للمرأة في لبنان واجه تحديات عدة أبرزها: هيمنة الإعلام الخاص ذي التوجه الربحي على الإعلام الرسمي، وافتقار غالبية مؤسسات الإعلام الخاص إلى أجندة جندرية، وضعف وجود المرأة في مراكز صنع القرار في الإعلام الخاص، وغياب التدريب الكافي للمعنيين بإجراء الرقابة المسبقة واللاحقة على محتوى المواد التي تبث عبر وسائل الإعلام. من هنا فإن الإعلام الجديد غير الخاضع لتمويل السلطات السياسية والمذهبية والطوائفية، يبقى هو الحل الأنجع الذي يقع على عاتقه نشر الوعي النسوي.

أما في موضوع استمرار الهيمنة السلبية للمعايير الثقافية وممارسات المؤسسات الطوائفية في شأن التربية الأسرية في لبنان، فإن هذه المؤسسات ليس لها تدخل مباشر، إنما تعمل على بث مفاهيمها في عظات رجال الدين الشفوية، ويا للأسف، فإن هذه العظات لا تتغير بطريقة متناسبة مع التحولات التي تشهدها الأدوار الجندرية، بل هي أقرب إلى تعزيز الادوار النمطية التقليدية، ومن اهم هذه القيم التي يتعين على الأهل تشجيعها لدى اولادهم مثلا تحضير الفتاة لأدوارها الإنجابية وإعلاء سلطة العائلة على رغباتها كفرد.

ومن المفارقات في الجيل الجديد في لبنان، توجه فئة الشباب إلى تأييد قوانين الأحوال الشخصية المدنية بدرجة تفوق تأييدها من الفئات الأكبر سنا. ونلاحظ في المجتمعات المدنية، أنه مع خروج المرأة إلى ميدان العمل، يبقى من مهامها العناية بشؤون الاسرة والاهتمام بالاولاد حتى مع وجود من يساعدها في الاعمال المنزلية، إلا أن من ايجابياته المشاركة بين الزوجين في اتخاذ القرار في الشؤون المتعلقة بإدارة المنزل وتربية الأولاد، على أن يتولى الرجل اتخاذ القرارات التي تتعلق بصرف الأموال، بحيث يطغى اعتماد لغة الحوار في حل المشاكل والنزاعات بين المرأة والرجل داخل الأسرة.

إن الأوضاع التي يعيشها لبنان منذ نحو سنتين من النواحي السياسية والاقتصادية والصحية، حالت دون وضع استراتيجيات ذات ميزانيات لإلغاء القوالب النمطية التي تميز ضد النساء، وترافق كل ذلك مع تراجع دعم المنظمات الدولية للإنفاق على مشاريع من شأنها دعم المرأة في مختلف المجالات، وعليه يبقى الاتكال على جهد المنظمات المحلية التي تبدو بدورها رازحة تحت عجز مالي بسبب الظروف الراهنة.

ختاما، يبقى أن النساء اللبنانيات يتطلعن بأمل كبير إلى اليوم الذي يصبح فيه الميدان السياسي والاقتصادي في لبنان خاليا تماما من كل أشكال التمييز، فيكون متاحا للجميع أيا كان موقعهم، أو جنسهم، أو معتقدهم، أو جذورهم، المشاركة الفعالة في تحمل المسؤوليات الوطنية، فيصبح لبنان فعلا واحة للديموقراطية والعدالة والسلم الأهلي، ودولة تصان فيها حقوق الإنسان.

نداء الوطن