تأثير الحضور وشخصية محمد (ص)

 

بكر أبوبكر

 

قال النبي صلى الله عليه وسلم: « الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».ولقد استقرت حكمة الله – عز وجل – في خلقه وأمره على وقوع التناسب والتآلف بين الأشباه، وانجذاب الشيء إلى موافقه ومجانسه، وهروبه من مخالفه، ونفرته عنه كل ذلك بالطبع كما يقول ابن القيم رحمه الله.   

ومعنى الحديث كما أورد الإمام النووي: أن تعارف الأرواح لأمر جعلها الله عليه وقيل إنها موافقة صفاتها التي جعلها الله عليها وتناسبها في شيمها، وقيل تآلفها هو ما خلقها الله عليه من السعادة أو الشقاوة، فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت واختلفت بحسب ما خلقت عليه فيميل الأخيار إلى الأخيار والأشرار إلى الاشرار.

الوجود المؤثر، والتاثير السلبي للحضور

 كنت أقرا هذا الحديث الشريف المثير فعلًا والجميل وأرى فعلًا في الحياة العملية من الشخصيات الايجابية والمشعة حولي (وإن كانت قليلة) ما تشبع فيك والغالب من الناس النور والرحابة والقرب والجذب والمحبة، ومنها تلك (القليلة إن شاء الله) التي بمجرد أن تراها يقشعر بدنك ويهتز، أو تهرب منها، أو تتمنى التخلص من وجودك قربها. فهي تنضح سلبية وسوداوية وربما ترى في عيونها غل أو حقد أو حسد، أو ضحكة صفراء ... فتكهرب الجو فأتذكر الحديث الشريف عن الارواح المتآلفة وتلك المتناكرة المختلفة فأطمئن. دون أن أعي السبب النفسي الروحي جيدًا الى أن قرأت السبب العلمي وفق ما أورده لكم بالتالي كما تكتب (بيج ترنر) تحت عنوان

Affective Presence, A Personality Trait That Measures How Easy You Are To Be Around

الحضور المؤثر، سمة شخصية تقيس مدى سهولة التواجد حولك.

تقول: لقد عرفت بعض الأشخاص في حياتي الذين يمكنهم الدخول إلى غرفة ويبدو أنهم يجعلون الجميع يبدون أكثر راحة بمجرد التواجد هناك. لم يكن عليهم حتى أن يقولوا أو يفعلوا الكثير، ضع في اعتبارك. أنه كان لديهم فقط طريقة ما لجعل الآخرين يشعرون بالراحة. طاقة هادئة، دافئة، إذا صح التعبير. بالمقابل، لقد عرفت بالتأكيد أشخاصًا لديهم تأثير معاكس على الآخرين. وهو التأثير الذي يبدو أنه يضع الآخرين على حافة الهاوية بمجرد وجودهم هناك. أنهم من يبدو أن لديهم طاقة مؤثرة سيئة.

          وتقول الكاتبة (بيج ترنر) في موقع (بولي لاند) أنه تم تسمية الحضور المؤثر لأول مرة واستكشافه كسِمة شخصية في دراسة بحثية منذ حوالي عقد من الزمان. حينها أراد الباحثون معرفة ما إذا كان هناك شيء ما، فكرة أن الناس يمكن أن يؤثروا على مزاج وشخصية الآخرين بمجرد وجودهم ، كعامل شخصية ثابتة على عكس ظاهرة أخرى تُعرف بالعدوى العاطفية. لقد تم توثيق الموضوع جيدًا في الأدبيات العلمية، حيث وجد أننا يمكن أن نتأثر بشكل موثوق بمزاج الأشخاص الآخرين من حولنا، ونبدأ في الشعور كما يشعرون.

أراد الباحثون في دراسة الوجود العاطفي/المؤثر التأكد من أن هذا لم يكن مجرد ما يحدث في المواقف التي يبدو فيها أن شخصًا ما يتمتع بحضور إيجابي بشكل عام أو سلبي بشكل عام. وقد وجدوا بالفعل دليلًا على تأثير الوجود والتأثير العاطفي المستمر.

بعد تحكمهم بالعدوى العاطفية، وجدوا بالفعل دليلًا على تأثير الوجود/التأثير العاطفي المستمر.

ما هي الصفات التي يتمتع بها الشخص ذو الحضور المؤثر الإيجابي؟ أو الوجود المؤثر (الروحي اوالعاطفي) السلبي؟ حيث نظر الباحثون في الصفات المرتبطة بالحضور الإيجابي أو العاطفي ووجدوا ما يلي:

كان للأفراد ذوي الوجود أو التأثير الإيجابي "مركزية أكبر لشبكة العلاقات حولهم"، فمن منظور الشخص العادي، أحبهم المزيد من الناس. ليس ذلك من المستغرب، على ما أعتقد، لأنه ليس من المبالغة التفكير في أن الناس يحبون أشخاصًا آخرين يسهل الحضور أو التواجد أو التعامل معهم. لكنك تعلم، لقد وجدوها (وبالتالي تم تأكيد ذلك علميًا.)

النتائج الأكثر إثارة للاهتمام -كما تقول- هي أن: الأشخاص ذوي الحضور والتأثير السلبي، الأشخاص الذين يعانون من التواجد حولهم. وجد البحث أن هؤلاء الأفراد كانوا ذوي توافق منخفض صحيح، لكنهم أكثر انفتاحًا على الآخرين؟! هاتان السمتان في إطار OCEAN (يستخدم البعض الاختصار OCEAN =الانفتاح والضمير والانبساط والتوافق والعصابية، لتذكر سمات الشخصية الخمسة الكبار في هذا التصنيف). حيث أن الأشخاص الذين يعانون من ضعف التوافق لا يهتمون كثيرًا بما يشعر به الآخرون، ولا يبدون أي اهتمام حقيقي بالآخرين. وتميل هذه الشخصية السلبية أيضًا إلى أن تكون تنافسية للغاية وفي بعض الحالات يمكن أن تكون متلاعبة (مخادعة) تمامًا.

 

شخصية محمد (صلى الله عليه وسلم)

"نتأمل كلمة من كلمات القرآن وكيف توزعت بين آيات كتاب الله وهي كلمة (منير) التي جاءت كصفة للقمر وصفة للنبي صلى الله عليه وسلم….حيث لفتت انتباهي كلمة تكررت في القرآن مرتين فقط في الآيتين: 1- (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا) [الفرقان: 61]. 2- (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) [الأحزاب: 45-46]. ففي الآية الأولى وردت كلمة (مُنِيرًا) كصفة للقمر، حيث إن القمر لا يبث الضوء بذاته إنما يعكس ضوء الشمس، ولذلك فهو منير. وفي الآية الثانية جاءت كلمة (مُنِيرًا) كصفة للنبي صلى الله عليه وسلم فهو سراج منير، والسراج هو الشمس، فهو سراج كالشمس لا يمكن أن تستمر الحياة بدونها، وهو منير كالقمر ينير حياة المؤمنين بنور الحق الذي يبلغه عن ربه.

فالنبي صلى الله عليه وسلم –كما يكتب عبدالدائم الكحيل- لم يأتِ بشيء من تلقاء نفسه، إنما هو وحي من عند الله تبارك وتعالى. مثل القمر “يعكس” ويبلغ ما يوحى إليه من ربه، ولذلك قال تعالى رداً على المشككين بالقرآن: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [يونس: 15].

ونحن في تأملنا بالآية الكريمة في سورة الاحزاب نجد الصفات الخمسة المكونة لصفاته عليه الصلاة والسلام تبدأ بالشهادة على الناس بالرسالة والقيم والسلوك.

 وأنه مبشّر إذ تقديم البشارة والابتسامة والرحابة والترغيب والتحابب والجذب والتأثير الإيجابي في الآخرين (وليس عبس وتولى) على أساليب الترهيب، (نذيرًا) وهو الأسلوب الآخر الذي يفيد في نماذج شخصيات أخرى لا بد من إشعال مكوّن الرهبة والخوف فيها.

 ولكن بجميع الأحوال فإن الاقتران بالبشارة والبسمة والسماحة (والمسيح عليه السلام أيضًا هو نبي المحبة والبشارة) وتقديمها أولى في غالب الأحيان مع الشخصيات عامة، رغم ان الانسان خلق جهولا وخلق كفورًا وخلق هلوعا، ثم تكون الدعوة للخالق.

 ونحن على إثرها (على إثر الغاية الكبرى تبرز فينا غايات وأهداف اخرى) ندعو بالاخلاص والولاء لله، لما نريده أهدافًا شخصية وأخرى عامة تمثل القضية المركزية لنا كقضية الامة الاسلامية والعربية والمسيحية المشرقية قضية فلسطين بائنة الوضوح، مقررة العدل ومقياسه الحقيقي في العالم، أما "السراج المنير" في شخصه عليه وآله وصحبه أفضل الصلاة والسلام فمنه اقتبسنا مفهومنا للشخصية المشعة الشخصية الرسالية الشخصية النضالية الشخصية المثابرة التي نبتغيها في كل منا، لعلنا ننجو ونقفز الى الأمام بخطوات واسعة نجتاز بها السراط، ونحقق الأهداف. وما النصر إلا من عند الله.