غزة - مراسلتنا -  خلود سليمان

في غزة قصص مأساوية لا تسمع لها أذناً وإن سُمِعت فقد تأخذ أقل ثوانٍ من حيز اهتمام المسؤولين ،ثم تنسى كأنها لم تقال أبداً.

 

في غزة شاب اسمه مؤمن عاطف سالم الخالدي -26عاماً-  يعيش في معسكر جباليا مشتاقًا إلى حضن عائلته الصغيرة التي تقطن في رام الله. في ذات يوم ،فرق الاحتلال الاسرائيلي بين هذا الشاب تعيس الحظ وبين قرة عينيه -زوجته.

 

 قبل خروجه من رحم قطاع غزة ،كان مؤمن يعمل مع والده في محلات العطور والصرافة. وفي الفترة الأخيرة من حياته ،أصيب برفة القلب المتكرر الذي لم يجعله يستسلم لمرضه ،بل استمر في عمله وكافح. إنه شابٌ يافعٌ في بداية عمره يعاني من نوبات متكررة في سرعة نبضات القلب إذ لا علاج له في غزة. بعد استلامه إذناً من الاحتلال المسيطر على معبر بيت حانون –الفاصل بين قطاع غزة والضفة الغربية والمدن المحتلة -تم تحويل الشاب مؤمن إلى الضفة المحتلة لتلقي العلاج هناك ،وكأن المرض أراد أن يجمعه مع محبوبته التي تعيش في قلب رام الله ،فينتصر على جبروت الاحتلال الذي يقف حاجزاً بين حبهم.

 

في السابعة عشر من شهر يونيو من عام 2013، خرج مؤمن من قطاع غزة وصولاً إلى الضفة الغربية لإجراء عملية قسطرة القلب وتلقي العلاج في المستشفى الأهلي العربي التخصصي في رام الله ،أتت المحبوبة لرؤيته والاطمئنان على صحته. بعد انتهائه من العلاج في المستشفى الذي دام لمدة شهر واحد ،عزم مؤمن على اختراق قانون اسرائيل و عدم مغادرة الضفة الغربية من أجل يتزوج تلك المرأة التي ملأت عينيه.

 

بدلاً من أخذ قسطًا وفيراً من الراحة كما قال له الأطباء في رام الله ،بدأ الشاب حياته الجديدة في رام الله مكافحاً ومناضلاً يتنقل من مدينة الى أخرى للعمل بهذا وذاك لتوفير كسرة خبزٍ يعيش من ورائه مع زوجته. طالباً العمل ،ذهب إلى قلقيلية يعمل كمساعد لمالك محلٍ ما لبيع وصيانة الأجهزة الكهربائية. مرت عليه عدة شهور  باحثًا عن عملٍ أخر آملًا في فرصةٍ أفضل حتى وجد لنفسه عملاً في مطعم ك"جارسون" في رام الله.

 

بعد عودته إلى رام الله ،عاد إليه المرض واستمر مؤمن بمقاومته ومحاربته ليوفر قوت كل يومٍ لعائلته. راجع طبيبه ليتفحص حالته الصحية التي أرهقها مع عمله الكادح ،وطلب منه الراحة للمحافظة على صحته وضمان عدم عودة النوبات القلبية المتكررة إليه مرات أخرى ،لكن كلامه لم يجدي به نفعاً حيث أنه أصبح مسؤولاً عن زوجته التي أضحت حاملاً بالشهر السادس.

 

مضى على زواجهم ثمانية أشهرٍ ثم حلت عليه فاجعة وفاة أبيه التي أفقدته عقله وتركته يقرر بالعودة إلى قطاع غزة لحضور جنازة أبيه الذي كان سيراه ويقبله فيها للمرة الأخيرة ،لكن الحظ لم يحالفه هذه المرة. عاصفة ثلجية مصحوبة بهبوط في درجات الحرارة إلى مستوى غير مسبوق اجتاحت منطقة الشرق الأوسط وتسببت في إغلاق معظم الطرق في الضفة الغربية وتعطيل كافة مؤسساتها الحكومية والعامة عن العمل.

 

في اليوم الثامن من شهر يناير لسنة 2015-ثاني يوم من العزاء لوالده -وصل إلى قطاع غزة تاركاً خلفه زوجته وطفله المنتظر لمواساة أهله والوقوف بجانبهم إلا أنه عض يده ندماً. قدم طلباً للشؤون المدنية في غزة لمعاودة السفر إلى الضفة الغربية عبر تقديم عقد زواج وتقارير طبية بمرض زوجته إلا انه قوبل بالرفض من إسرائيل.

 

 

 لم يخرج مؤمن من صدمته الأولى -وفاة والده -إلا أن تلقى ضربة أخرى على رأسه أشد وجعاً لم يستطع أن يصحو منها إلا بعد فترة وجيزة. علمت زوجته بإصابتها بورم ليفي- غير سرطاني- في الرحم قبل ولادة الطفل بأيام قليلة جداً الذي قد يستأصل إن لم يتم القضاء عليه بالعلاج الكيماوي. تلقت زوجته المريضة جرعتين من العلاج الكيماوي ولم يكن بين يديها ليهدئها ويقلل من خوفها؛ فإن الباب الذي اصطنعه الاحتلال بين قطاع غزة والضفة الغربية ضاعف ألمها وقلقها على نفسها وجنينها أكثر. واستمرت بالقيام بفحوصات لضمان عدم تفاقم حالتها المرضية، وستتلقى قريباً بقية جرعات هذا العلاج للقضاء على الأورام كاملاً، وما زال زوجها بعيداً عن عينيها وعيني طفلها.

 

 

مرت الأيام واستقبلت زوجته المريضة طفلها المنتظر منذ شهور بمزيج من الفرح والحزن- فرحة بمولودها آدم وحزينة على فراق زوجها الذي لم يشاركها ألمها في ولادة طفلهما وفرحها بخروج الطفل إلى هذا العالم وعلى طفلها الذي لم يحمله والده قبل أي شخص ويؤذن في أذنه ويقول: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أِشهد أن محمداً رسول الله...

 

كبر الطفل وترعرع في حضن أمه بعيداً عن أبيه الذي فرقهما الاحتلال الإسرائيلي عن بعضهما ؛فلم يستطع مؤمن أن يحضنه أو يرى حتى أجمل أيامه وهو يبكي ويضحك ويناغي ويزحف ويمشي ويتكلم. ليس كبقية الأطفال، آدم عاش سنتين محروماً من عطف وحنان أبيه؛ لم ير والده ولم يسمع صوته إلا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لم يرتمٍ بحضن والده ويلح عليه بشراء علكةً له أو شيئاً ما آخر أو يخرجه بنزهةٍ للعب مع الأطفال.

 

 كل ما مر به مؤمن من آلام وأوجاع وعقبات وصدمات تركه يفكر بالانتحار مراراً وتكراراً لكن إيمانه كان يتصدى لأفكاره.ونحن كفلسطينيين ،لم نعد نعلم متى سيكون اللقاء بين الطفل والأب والزوج والزوجة مادام الاحتلال يقف عقبة أمام هذه العائلة الصغيرة. ولهذا نناشد الرئيس محمود عباس وكافة المؤسسات والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان بالعمل على مساعدة مؤمن والتقريب ما بينه وبين زوجته وطفله الصغير ولم شمل العائلة التي فرقها الاحتلال الإسرائيلي

 

 

 

 

الأكثر قراءة