المحتجزة جثامينهم لدى "إسرائيل".. لا قبر ولا قبلة وداع!

المحتجزة جثامينهم لدى "إسرائيل".. لا قبر ولا قبلة وداع!


غزة - تقلب سلوى عبد العال (52 عاما) من سكان رفح جنوبي قطاع غزة، كتبا دراسية وملابس داخل خزانة صغيرة، تحمل رائحة فلذة كبدها خالد (17 عاما)، الذي تحتجز جثمانه قوات الاحتلال الإسرائيلية، منذ مطلع يوليو/ تموز الجاري.

 

واستشهد "خالد" في الثاني من يوليو، عقب اعتقاله رفقة اثنين آخرين جراء تعرّضهم لإطلاق نار من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي قرب السياج الأمني شرقي رفح؛ وبعد أيام أبلغ الجانب "الإسرائيلي" مؤسسة "الميزان" الحقوقية باستشهاده، وأن الآخرين محتجزين على قيد الحياة.

 

وتنتظر والدة الشهيد، الجثمان المحتجز على أحر من الجمر، من أجل أن تقبل نجلها قبلة الوداع الأخيرة وتطمئن أنه وضع في قبر يمكنها من زيارته في أي وقت.

 

وتقول: "لا أعرف مصير نجلي حتى الآن، كل ما أعرفه أنه أطلق النار عليه، وتم سحبه من قبل جنود الاحتلال، وبعد أيام أخبرونا باستشهاده".

 

وتضيف: "نجلي ولد في 14 سبتمبر/ أيلول، وأنهى الثانوية العامة"، حيث أعلنت وزارة التعليم نتائج الامتحانات في الثامن من الشهر نفسه، أي قبل أيام على استشهاد خالد.

 

وعن يوم الحادثة تسرد: "توجه (خالد) إلى الحدود مع أصدقائه، كأي طفل وشاب يتوجه للمشاركة في المسيرات السلمية قرب شارع العودة، الذي لا يبعد سوى 300 متر عن السياج الأمني، كان الجيش متربصا بهم وأطلق النار ودخل مسافة 200-250 مترا واختطفهم".

 

وتتابع: "منذ ذلك الحين لا نعلم ما هو مصيره، ولا أين إصابته، سوى إبلاغنا من مؤسسة الميزان الحقوقية باستشهاده؛ وحرمنا من وداعه ومن تهنئته بنجاحه في الثانوية العامة".

 

"كان يكتب في كتبه الدراسية العنوان (إسطنبول)، لطموحه بأن يدرس المحاماة في تركيا، ويصبح قاضي قضاة، لكن حرمنا الاحتلال من الفرحة وحرمه من حلمه وأمله، كأي طفل وشاب في العالم"، وفق السيدة المكلومة.

 

وتتساءل: "لماذا أطلق جنود الاحتلال النار عليه وهو مدني سلمي، ومثلوا بجثته؟!، وفوق ذلك اختطفوه وحرمونا منه، ولم تتمكن أي جهة من رؤيته".

 

وتضيف مستنكرة: "لا يوجد أي وجه حق لاختطافه، لم يفعل بهم شيئا؛ كما أنه قتل بشكل غير إنساني أمام الناس؛ أين الرحمة والعدل والديمقراطية التي تدعيها (إسرائيل)؟".

 

وتختتم والدة الشهيد بالقول: "أطالب من كل الجهات التدخل لإعادة جثمان ابني، حتى أودعه وتنطفئ النار المشتعلة في قلبي، وأدفنه في قبر قريب مني، وأتمكن من قراءة الفاتحة؛ لا أرى هدفا من احتجاز جثمان طفل سوى زيادة معاناتنا، وجعلنا نشعر بالحسرة".

 

أما "جاسر أبو جزر" (40 عاما)، والد الطفل المحتجز يوسف أبو جزر (15 عاما ونصف)، المحتجز لدى قوات الاحتلال الإسرائيلية منذ 29 إبريل/نيسان الماضي، فيطالب هو الآخر بإخلاء جثمان نجله؛ مؤكدا أن جرحهم جرحين؛ لأنهم لم يودعوه.

 

ويقول "أبو جزر" للأناضول: "يوسف طفل، لم يتخط السادسة عشر من عمره، ذهب كأي طفل إلى الحدود مع أصدقائه للمشاركة في مسيرات العودة؛ وهناك أطلق الجنود النار عليهم على بعد عشرات الأمتار من السياج الأمني".

 

ويوضح الرجل: "رفع نجلي يديه وقال لهم: لا ترموني بالنار، ولكن حينها أطلقوا النار عليه بعدة رصاصات وتركوه ينزف نحو ساعة، حسب رواية شهود بالمكان، من بينهم طفل اعتقل وأفرج عنه بنفس يوم الحادثة".

 

ويضيف: "أبلغنا من الارتباط الفلسطيني باستشهاده، وتفاجئنا بالإفراج عن المعتقل الذي كان معه بالحدث، وبقيت جثة نجلي قيد الاحتجاز".

 

ويتساءل: "لا نعرف لماذا، ولا يوجد مبرر لذلك؛ فهو ليس صاحب حدث أمني، لم يكن يحمل سوى (قطعة خبز وزجاجة عصير فقط!)".

 

ويعتبر "يوسف"، الابن الِبكر لوالده، ولديه شقيقين محمد (10أعوام)، ومراد (8 أعوام)، وثلاثة شقيقات يكبرنه.

 

ويشير والده أن "طفله كان طموحا كأي طفل، ويحلم بإكمال دراسته، وتعلم الحلاقة وكان يطمح بالسفر لأوروبا للدراسة"، مضيفا: "لكن الاحتلال قتله وحلمه سوية، وحرمنا من الفرحة به، وأطفأ قلوبنا".

 

ويلفت إلى أنه لم يستطع الحصول على شهادة وفاة له؛ وتواصل مع مؤسسات حقوقية بينها "بتسيلم" (مركز معلومات إسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة / غير حكومي)، "والميزان" الفلسطينية، للعمل على استرداد الجثمان.

 

ويتابع: "مطلبنا شرعي، كأي جثمان في العالم يجب إكرامه بدفنه وإلقاء نظرة الوداع عليه، نريد أن نكون على علم أين هو مدفون، كي نزوره، الجميع يودعون أبناءهم، إلا نحن".

 

بدوره، يؤكد محامي مركز "الميزان لحقوق الإنسان"، يحيى محارب، أن لديهم "ثمانية ملفات" لجثامين محتجزة لفلسطينيين من قطاع غزة، خلال مسيرات العودة، منذ انطلاقتها في 30 مارس/ آذار الماضي.

 

ويقول المحامي، إن محاميي المركز تحركوا في الملفات، فور تسلمهم توكيل من ذوي المحتجزين ومعظمهم من وسط وجنوبي قطاع غزة.

 

ويشير أنهم خاطبوا مصلحة السجون الإسرائيلية، وتلقوا ردا شفهيا بعدم وجود أي منهم على قيد الحياة في السجون، وبناء عليه تحركوا في الإجراءات المعتادة للمطالبة باسترداد المحتجزين، وهم شهداء، وفق الشهادات الحية والردود الإسرائيلية.

 

ويوضح المحامي، أن "الميزان" يُقدم الخدمة القانونية فيما يتعلق بملف احتجاز جثامين الشهداء لدى الاحتلال الإسرائيلي؛ وأنه قام بناء على ذلك بتقديم إخطارات لوزارة الحرب الإسرائيلية، لضمان حق التقاضي لعامين، وتبع ذلك تقديم طلب للمدعي العام الإسرائيلي لطلب استرداد الجثامين، وتم الرد في بعض الملفات بأن الوضع قيد الفحص، وبعض الملفات لم يتم الرد عليها بعد.

 

ويفيد "محارب" أن قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي، احتجاز الجثامين على أساسين؛ "الانتماء لحركة حماس، والمشاركة في عملية نوعية؛ والمنطق يقول إن ما حدث مع معظم الجثامين لم يكن عملية نوعية، خاصة ملف الطفل أبو جزر لا تشوبه شائبة، كما أنه لم يثبت حتى الآن انطباق تلك الشروط على المحتجزين المذكور، وعبد العال".

 

ويواصل حديثه: "نحن نحاول الوصول لأقرب نقطة من العدالة، في سبيل إنصاف ذوي شهداء مسيرات العودة واسترداد الجثامين، ونحاول التقدم ببعض الملفات بخطوات أكبر، ومنه ملف الطفل أبو جزر، وسيتم تقديم التماس ابتدائي للنيابة العسكرية الإسرائيلية، ومن ثم من الممكن التوجه للمحكمة العليا الإسرائيلية أعلى هيئة قضائية للتقدم بالتماس لاسترداد جثامين الشهداء".

 

ويلفت محارب إلى أن هناك طلب التماس قدم عبر "مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الانسان"، ووزارة شؤون الأسرى، ومؤسسة "عدالة"، حول احتجاز (25 جثمانا) من الضفة والقدس وغزة منذ عام 2016 حتى الآن؛ لكن أهالي الجنود "الإسرائيليين" المحتجزين في غزة قاموا بالاحتجاج، وبناء عليه قررت ما تسمى المحكمة العليا إعطاء حكم بعد حوالي شهرين إلى ثلاثة.

 

ويشدد على أن أهمية هذا الالتماس تكمن في أن جيش الاحتلال الإسرائيلي، يقول إنه يحتجز الشهداء على أساس المادة 130 من قانون الطوارئ البريطاني لعام 1955، التي تعطيهم الحق في احتجاز جثث مقابل جثث، على اعتبار أن هناك في غزة جثث وفق اعتقادهم.

 

وسبق أن أعلنت إسرائيل فقدان جثتي جنديين في قطاع غزة خلال العدوان الذي بدأ في 8 يوليو/ تموز 2014، واستمر حتى 26 أغسطس/ آب من العام نفسه، هما آرون شاؤول، وهدار جولدن، لكن وزارة الحرب الإسرائيلية عادت وصنفتهما، في يونيو/ حزيران 2016، على أنهما "مفقودان وأسيران".

 

وإضافة إلى الجنديين، تحدثت تل أبيب، عن فقدان "إسرائيليين" اثنين أحدهما من أصل إثيوبي والآخر من أصل عربي، دخلا غزة بصورة غير قانونية خلال عامي 2014 و2015.

 

وفي أبريل/ نيسان 2016، أعلنت حركة "حماس" وجود 4 جنود إسرائيليين أسرى لديها، دون أن تدلي بمعلومات عن حالاتهم الصحية ولا عن هوياتهم، باستثناء الجندي آرون شاؤول، الذي أعلن عن أسره، أثناء توغل بري للجيش في حي "التفاح"، شرقي مدينة غزة.

 

ويردف المحامي: "نحن بدورنا ندفع نحو توضيح وتأكيد الفرق بين ظروف الاحتلال، وطبيعة الحدث، وعدم تطبيق القرار علينا، معربا عن أمله في أن يصلوا لردود إيجابية في هذا الملف".

 

ويختتم بالإشارة إلى أنه من باب الاستثناء أخذوا ردا شفهيا من المخابرات "الإسرائيلية" بأن المحتجز "عبد العال قتل، لأن حدثه مرتبط باثنين آخرين على قيد الحياة معتقلين".

 

ويتظاهر آلاف الفلسطينيين، قرب السياج الفاصل، منذ 30 مارس/ آذار الماضي، للمطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم التي هجروا منها عام 1948، ورفع الحصار عن قطاع غزة.

 

ويقمع جيش الاحتلال الإسرائيلي تلك المسيرات السلمية بعنف، ما أسفر عن استشهاد عشرات الفلسطينيين وإصابة الآلاف.