كانون والرحلة الطويلة

 

عمر حلمي الغول

 كان يوماً في شتاء مضى

الشمس لم تغادر الفضا

كومة الغيم أخلت الدرب للوليد

الوقت يمضي ببطء شديد

كانون يحمل الفصلين خريف وشتاء

مواقد النار تدثر العراة

النطفة الأولى رحقت من ورد الربيع

فراشةُ طارت نحو البعيد

خلية النحل تنهل من الرحيق

صبايا تحمل الجرار على الطريق

ضفائر أمي تداعب الحلم البديع

أوراق الشجر وسنابل القمح

تلهو مع نسائم الفصل البديع

خطى الهائمون على وجوههم متعثرة

على اللاطريق

خيام متناثرة كبقع الصفيح

في ملاذات نحو البعيد

لا البيت هو البيت ولا الخيمة

تحمي من الصقيع

ولا الزمان هو الزمان

أسماء القرى والمدن تفوح

من رائحة المكان السقيم

الذكريات ندية والجرح عميق

حوافر القرصان نادبة في البرتقال والزيتون

أحلام الصغار والكبار

تعشعش في البيت العتيق

ومواسم الحصاد والبيدر السعيد

الليل طويل .. وطول الليل سهاد سقيم

صوت الريح لا يغفو ولا يريح

يقتلع الخيمة من الوريد إلى الوريد

العراء .. العراء يدب على الأقدام

يستوحش في سواد ألأحلام

أمي تعد الغداء، وهي تنوء في الحمل الثقيل

ضفائرها يبللها العرق الجهيد

كماء النبع غير البعيد

المخاض يشتد ينادي على الوليد

الأنفاس محبوسة بإنتظار الطفل الجديد

الصرخة الأولى تفتح الدرب للوافد الجديد

أمي لا تعرف التواريخ ولا ميلاد السيد المسيح

كان وليدها لصيق الميلاد المجيد

كان يوماُ في شتاء مضى

جاء الغريب حاملاً راية الحريق

القرصان سارق الدار والغربان

إستقروا في عرين الوليد

الليل والصقيع وجنون الريح

والصيف اللهاب أضافوا للحريق حريق

الزمن السرمدي يطيل أمد الطريق

لا وقت للعشاء ولا إنتظار للفاتحين

رفاق جدفوا عكس التيار

كتبوا أسماؤهم على قرص النار

وشقوا الطريق

شب الطفل مع اقانيم الدفتر العتيق

أرسوا قواعد المخيم الجديد

على ضفة الشاطىء غير البعيد

شاطئان بين النعيم والحصير

البيارة هناك فوقها دبابة وغريب

هو ليس أنا .. وأنا لست هو

كل له تاريخ تاريخ أبيض وآخر أسود

لا عدل في الميزان والمعايير

الأنسان له ألف سمة وعنوان

عادل، متجبر، جميل، قبيح، عبد، سيد، لص،

حاكم، محكوم، مُستعمرٌ، مستَعمرْ، قرصان، قاتل،

حاقد، عاهر، دجال، إمرأة ورجل ..إلخ الأوصاف

شتان ما بين "أنا" و"أناه"

هو ليس أنا .. وأنا لست هو

هو القرصان الغاصب

انا صاحب البيت المرابط

جدي لإبي كان هنا منذ الزمن البعيد

حفروا الأسماء على الطريق والشجر العتيق

صفصافة البيت تحكي الحكاية للمارق الجديد

وعازف الناي يشدو أفراح الزمن البعيد

الغيم الأسود يسد الأفق البعيد

الحسرة تغوص في أعماق الفتى

المفتاح وقيشان الأرض تنام

تحت وسادة الحالم الجديد

 

كان يوماً في شتاء مضى

القرصان أعلن الحرب من جديد

الإخوة ضلوا الطريق

سقطوا من جديد لا ذرائع ولا أعذار تفيد

الحرب هي الحرب ليست وعيد ولا تهديد

الحرب أن تنتصر او تحيد او تحيا من جديد

لا ترفع الراية البيضاء رغم الجرح العميق

كانوا أعلنوا الولادة من جديد

كتبوا فصل جديد

خرجوا من شرنقة الصعاليك

تعاهدوا على شق الطريق

والعودة للبيت العتيق

جفل الصعاليك والعسس العكاريت

من القادم الجديد

الفتى لم يكن بعيداً عن الطريق

كتب على الورق نصه الجديد

ركب أنواء البحر وصعد

إلى الجلجة ومضى نحو الشعلة

لا يحيد

المشوار طويل وبعيد

في آخر النفق ضوء وبريق

ما بين أرض البرتقال ونهر الضفتين

وياسمين الشام والجنوب المجيد

رحلة حلم لا تحيد

مضت القافلة وسط النار والحريق

الضحايا سقطت على الطريق

جنون السطوة من الجنرالات العبيد

كاد يحرف البوصلة عن الطريق

الرحلة طويلة وضوء النفق مازال بعيد

نصف العودة أشعل البريق

أخوة مازالوا هناك في الشتات غير السعيد

وأخوة تصارعوا على جلد الدب البعيد

والقرصان يقضم بقايا البيت دون تهديد

وشيوخ مزقوا الجسد المريض

تجار دنيا ودين

هتكوا الأعراض بإسم التحرير

الليل حالك السواد

والضوء ما زال بعيد

الرحلة طويلة بكل تأكيد

البرتقالة تنتظر الوليد الجديد

***

0
0
0
s2sdefault

                  Web Backlinks