في منزل المختار سعيد إسماعيل الهبّاش -72 عامًا- تطلّ ذكريات الوطن السليب برأسها مجّددةً الحوار عن أيام الطفولة في فلسطين المحتلة عام 1948 وأيام الصبا في أزقة مخيم دير البلح.

يتفقّد المختار بين حين وآخر طاحونة القمح العتيقة و(مهباش) القهوة وهما كل ما بقي له من ذكريات والديه وجده الذين زاد عمرهم عن ثمانين سنة.

ويعد المختار الهبّاش ( أبو إسماعيل) من أشهر وجهاء مخيم دير البلح أصغر مخيمات اللجوء في قطاع غزة وأكثرها فقراً وضيقاً ومعاناة حسب وصف المؤسسات الحقوقية والإنسانية الناشطة في قطاع غزة.

ويبلغ عدد سكان مخيم دير البلح المطلّ على شاطئ البحر قرابة (16500) نسمة يسكنون (252) دونمًا حسب إحصائية بلدية دير البلح ويوجد به مدارس للأونروا وعيادة صحية ومركز نشاط نسائي ونادي وحيد وجمعية للمعاقين وسوق شعبي و3 مساجد فقط.

مخيم ضيق

يمتلك المختار الهبّاش تأثيراً خاصاً على جلسائه فهو علاوة على دماثة خلقه وسعة ثقافته التي اكتسبها من عمله كمدرس في المملكة السعودية بمؤهل ماجستير كيمياء مبيدات يجمع بين دفتي كلامه ذكريات النكبة وكثير من تفاصيل الحياة في المخيم.

يقول للرسالة: "كان مخيمنا بعد وصولنا من قرية الجورة منازله من الطين ونرممه بالزفتة ثم طورناه للقرميد وكانت الغرف صغيرة لا تتسمع ليمد الرجل ساقيه، ثم زاد السكان فتوسعت البيوت على حساب سعة الشوارع".

يعدّل كوفيته الحمراء، ويشير أن زيادة عدد السكان تناسبت عكسياً مع أزقة المخيم.

ويتابع :" في السابق حينما كان يموت أحد سكان المخيم لم نكن نستطع إخراجه إلا على الأعناق وبصعوبة كون المدخل الشمالي للمخيم ضيق جداً (..) وأسميه عنق الزجاجة واليوم لو تقابل اثنين بسيارتيهما لا يتمكنا من المرور إلا أن تراجع أحدهما".

حياة المخيم

وبإمكان المارّة في أزقة مخيم دير البلح سماع الحوارات العائلية فمنذ القدم النوافذ منخفضة والجدران متلاصقة والأزقة وصل بعضها إلى (60) سم وهو ما أفقد الأسرة خصوصيتها وجعل همس الزوج لزوجته في جعبة الجيران.

أزقة المخيم وتلاصق الجدران أفقدت الفرد ما يصفه الهبّاش بـ" الأمن الاجتماعي" حين فقد الإنسان خصوصيته وسمع كل من جيرانه أو المارة بأي حوار داخل بيته الخاصّ.

ولسنوات طويلة تركّزت معاناة المخيم في خدمة المياه والصرف الصحي وقديماً كانت الشوارع واسعة وكانت (الأونروا) تقدم خدمة النظافة بعد تخصيص أماكن لجمع القمامة لكن زيادة السكان وضيق الشوارع زاد من صعوبة المهمة.

ويقول الهبّاش:"كنا نملأ المياه في الجرار فالاستهلاك كان قليل ومن بعده الصرف الصحي قليل وكانت الأونروا تقدم خدمة التموين لكل فرد لكنها الآن قلّصت كثيرًا من خدماتها".

اجراء الحوار مع المختار الهبّاش كان فور عودته من لقاء بمسئول (الأونروا) ضمن وفد من وجهاء دير البلح طالبوا فيه بتحسين الحياة في المخيم ووعدتهم (الاونروا) بتوفير مناطق خضراء وشوارع واسعة وتعويض من سيفقدون منازلهم في التوسعة المقترحة".

واشتكى سكان مخيم دير البلح لسنوات طويلة من أزمة الصرف الصحي التي ساهم موقعه المرتفع في مشكلة توفير مشروع بنية تحتية بمنسوب ملائم وقد اجتهدت البلدية كثيراً لتخفيف معظم المشكلة.

دخول المخيم في ظلام دامس اليوم في ظل أزمة الكهرباء يذكّر الهبّاش بسنوات اللجوء الأولى وإن كان ارتفاع المنازل وضيق الشوارع جعل الحال الأسوأ فقد كان قديماً ظلام في وجود تهوية لكن اليوم ظلام في مشهد أسوأ وتهوية معدومة.

طاحونة القمح

وفي الجزء الغربي من حديقة المختار التي أعدها جيّدًا وزينها بسلال الزهور المعلقة في سقيفة خشبية رائعة كشف الهبّاش عند صندوق مجاور لفرن الطينة أخرج منه طاحونة القمح الحجرية ومهباش القهوة.

ويتابع:" هذا المهباش من جدّي يعود عمره لثلاثينات القرن الماضي وهذه الطاحونة من قبل الهجرة، وقد استعارهما معظم سكان المخيم لطحن الحبوب والقمح".

وحتى اليوم ما يزال مشهد جنود الاحتلال وهم يعدون خلف الشبان في أزقة مخيم دير البلح عالقاً في ذهن المختار الهبّاش أيام الانتفاضة الأولى، وهو يملك رؤية سياسية ثاقبة لما جرى في نكبة فلسطين.