عاجـــل :

دَحلَان وعَوامِل التّغييِر ومُستوجِبَات المَرحلة القَادمَة

 

فَرضِياتنا تعتمِد عَلى العَامل الدّيموقرَاطي، وهَل يُمكن أن تتوفّر لَه المُناخات الصّحية  فِي ظِل عِدة أزمَات مُتراكمة ومُتتالِية  أنتجَت إنقِسَام أُفقي ورَأسي  فِي كُل مَناحي الحَياة الفِلسطينية وإهدَار الجَانب المُؤسّساتي ونَشر ثَقافة المُنقذ الأَوحَد والقائِد الأَوحَد الذي بدُونه ستغرَق السّاحة الفِلسطينيّة فِي بَحر الإقتتَال والصّراع عَلى النّفوذ وخَاصّة فِي الضّفة ومُضافًا إلى ذلِك فِعل وقُوة الإحتِلال ورُؤيته إذا مَا نَتج فَراغ لغِياب محمُود عَباس، أو إنتِهاء لمَرحَلة بثقافَتِها وأُطرُوحَاتها السّياسية لتبَدأ مَرحلة أُخرَى  فِي تَاريخ الشّعب الفِلسطِيني وتَاريخ الصّراع  وفِي ظِل تحوّل الجَميع إلى تبنّي المُقاومة السّلمية التي قَد تجعَل مِن التّقارب مَا بَعد عَباس أمرًا مُمكنًا  ووِحدة فَتح مُمكنة ووِحدة البَرنامِج الفِلسطيني، لقَد أسّس دَحلان لهَذه المَرحلة بتفَاهُمات القَاهرة  والذي لَم يكُن أصبَح مُمكنًا بينَ فَتح وبَين حَماس  وكَما عبّر عَنها فِي لِقاءات مُتفاوتَه بأنّ عَصر القَائد الأوحَد الذي يمتلِك كُل السّلطات ولّى إلى غَير رَجعة بطَرح الشّراكة وتعدّد المَسؤليات والقِيادة الجَماعية  سَواء فِي مُنظمة التّحرير وأُطرها أو السّلطة وفَتح وأُطرِهما، هَذا إذا لم تكُن المَرحلة القَادمة تُنهي إحداهُما إمّا السّلطة أو مُنظمة التّحرير ولذلِك طَالب دَحلان مِرارًا بالتّبكير فِي الإعلَان َعن الدّولة بعَاصِمتها القُدس وتحوِيل المَسؤليات وكُل المُؤسّسات إلى أُطر دَولة تَحت الإحتِلال، تقريبًا هُناك إجمَاع إقلِيمي ودَولي  لوَضع اللّمسات الأخِيرة للوُصول للحلّ النّهائي، والسّؤال هُنا هل يتّفق هَذا مَع سِياسة وبَرنامِج الحَد الأدنَى لمشرُوع مُنظّمة التّحرير وتَحت طَرح حَل الدّولتين  والذي اتّفق الجَميع عَلى أنّه أصبَح غَير مُمكن، أم مَا زَال هُناك أمَل فِي إحيَاء هَذا المشرُوع بتقاسُم القُدس وتَبادُلية الأرَاضي وتوسّع غَزة نَحو الشّرق عِدة كيلُو مِترات. إجمالًا  بكُل مُلاحظَاتِنا عَلى مَسيرة العَودة  والخَلط فِي توجّهاتِها  ومَا رَافقَها مِن إعلَام قَام بالتّضخِيم لأهدَافها بَل تِلك المَسيرة عبّرت عَن وِحدة الشّعب الفِلسطيني عَلى مُستوى القَاعدة أعَادت القَضيّة للبنَاتها الأُولى وأعَادت قَضيّة الصّراع لأساسيّاته، لقَد شَارك التيّار الإصلاحِي بقِيادة دَحلان بقُوة فِي رَسم خُطوط الوِحدة الفِلسطينية والتّلاحُم نَحو هَدف واحِد فِي مَسيرة العَودة بالإضَافة إلى الأنشِطة الحَيويّة المُختلِفة التي يُعزّز فِيها التيّار الإصلَاحي صُمود الشّعب الفِلسطيني فِي القِطاع المُحاصَر.

ولكَي نستقرِئ المُستقبَل مِن مُعطَيات الحَاضِر والمَاضي القَريب، لابُد أن تستنِد إلى رَكَائز العَمليّة التّحليليّة والإستقرَائِية لمَا هُو موجُود مِن زَوبعَات وأقَاويل ووسَائل إعلَامية لا تكَل ولَا تمَل سَواءً مِن الأعدَاء أو مِن الأصدِقاء أو ممّن يتحسّبون عَلى مَصالحهم مِن مُتغيّرات قَادمة عَلى الَمنطقة، ولكَي نُخصّص ولا نُعمّم عَوامل التّغيير وظَواهِره ومُسبّباته عَلى النّظام السّياسي الفِلسطيني وأطرَافه وشُخوصِه.

محمّد دَحلان الذي تعرّض لأشرَس حَملة تَشويه إعلامِية مُنذ عَام 2007 ولتزدَاد شِدّتها فِي عَام 2011 وتستمرّ حَتى 2016م والذي تعرّض فِيها لهجَمات عَدائية مِن رَئيس السّلطة وبعَض ممّن حَوله ومِن خِلال قرَارات إقصَائية بهَدف إغتِياله سِياسيًا ووَطنيًا حتّى فِي دَاخل حَركته فَتح التي انتمَى إليهَا مُنذ نُعومة أظَافِره، وفِي الحَقيقة ومَا كَشفَت عَنه الأحدَاث بأيّامِها وزَمانِها أنّها كَانت تستهدِف مَنطقة جُغرافية ممّا تبقّى مِن أرض الوَطن ومِن خِلال استهدَاف محمّد دَحلان وإخوَةٍ لَه.

كَان للرّجل صَبر أيّوب، وكَان أيضًا كًطائر الفِينيق كُلما اشتدّت الهَجمة عَليه نَهض أكثَر صَلابة مُتجدّدًا فِي نَشاطه وقُوته مُسخرًا إمكانيّاته، ومِن خِلال كَاريزمَا خَاصّة تُسمى " كَاريزمَا محمّد دَحلان" لخِدمة أبنَاء شَعبه وأبناء أمّته العَربية وأمَام فوضَى وقَتل وتدمِير أرَادوا مِنها عَزل الشّعب الفِلسطيني وقَضيّته وأرَادُوا مِنها إحدَاث دَمار شَامِل فِي دِول الإقلِيم.

لم يكُن دَحلان مُندفعًا تتملّكه رُدود الفِعل بَل كَان كَما قَال الزّعيم الرّاحل أبُو عَمّار  يومًا:" واثِق الخُطى يمشِي مَلكًا" ولإيمَانِه بأنّ وِحدة فَتح هِي المُرتكَز الأصِيل والحَقيقي للحَركة الوَطنية والمشرُوع الوَطني، كَان مُتجاوبًا مُتناسيًا الذّات أمَام الأطرُوحَات الدّاخلية والإقليِمية لرَأب الصّدع والانقِسام الدّاخلي و هَدفه الرّئيس هُو وِحدة فَتح وتفعِيل أطُرها المخطُوفة والعَدالة الجُغرافيّة والجَماعيّة المُلتزمَة بالنّظام لكَي تستَطيع فَتح تصلِيب الحَركة الوَطنية في مُواجهة تحديّات دَاخلية وخَارجية، طَرحَ دَحَلان النّمُوذج لوِحدة وَطنية ومشرُوع سِياسي واحِد، ولذلِك دَحلان حَاصر خُصومَه دَائمًا بالمَنطق الحَركي الوَحدوي والمَنطق الوَطني. وبدعمِه المُطلق للمُخيّم وانتفاضَة القُدس وأهَالي القُدس.

وبَعد تِلك المُقدّمة، وبَعد أن أُثيرت قبل شهورٍ قليلة قَضيّة خِلافة عَباس أو مَرحَلة مَا بَعد عَباس وتناولتهَا وَسَائل وقَنوات تلفَزة إسرائِيلية انجرّت ورَاءه مَواقع وصُحف فِلسطينيّة وفَتحاوية عَن اقتِراب محمّد دَحلان ليكُون الخَليفة لمحمُود عبّاس، وأذكُر هُنا مَراكِز استطِلاع أورُوبية ودَولية وفِلسطينيّة حَقّق فِيها محمّد دَحلان نتَائج تفُوق غَيره فِي قائمة الاستِطلاع، بَعضُ الصّحف الفِلسطينية تحدّثت عن السّم فِي العَسل وبعضُهم تحدّث عَن ظَهر الدّبابة الإسرَائيلية وبعضُهم الآخَر تحدّث عَن الحِلف العَربي بقِيادة مِصر والإمَارَات والسّعودية والأُردن، وعَن حُسن النّوايا للبَعض ومَع سُوء النّية للبَعض الآخَر هُناك حَقيقة بأنّ مَرحلة عَباس شَارفت عَلى الإنتِهاء لعدّة أسبَاب أوّلها عُمرية وفَشل فِي إدَارة المِلف السّياسي والأمنِي والإقتصَادي والإنسَاني والوَطني للشّعب الفِلسطيني ولابُد مِن مَرحَلة جَديدة بتبويب جَديد تستحضِر الشّعب الفِلسطيني لمَرحلة جَديدة تمكّنه مِن التعَامل مَع كُل الأطرُوحات وقُواها، ومُتغيّرات إقليميّة تستدعِي الجَميع للإهتِمام بالمُستقبل السّياسي والوَطني والقَومي للشّعب الفِلسطيني ومِنه مِن الأهميّة دِول الإقليم وفِي مُقدّمتها مِصر والإمَارات والأُردن والسّعودية، فعندمَا حَاولت تِلك الدّول حَل جذُور الأزمَة بين دَحلان وأبُو مَازن كَانت مِن الفِهم المُهم لطَبيعة أزمَة فَتح ومُؤثرَاتها عَلى الوَاقع الوَطني والإقلِيمي، أمّا ما تصوّره وسَائل الإعلام الإسرَائِيلية وبَعض المُردّدين لهَذه التصوّرات فِي الفَترة المَاضِية فَهي حَملة جَديدة لتشوِيه محمّد دَحلان وتصوِير ذَلك بِخيار محمّد دَحلان خِيارًا خَارج الوَطنيّة الفِلسطينيّة الرّسميّة والشّعبية وهُو الأمر الذي يتحسّس مِنه الشّعب الفِلسطيني. هَجمة إعلاميّة تَلعب وتستهدِف الحِس والعَواطف الوَطنية، فِي حِين أنّ محمّد دَحلان هُو خِيار الشّارع الفِلسطيني وهُو خِيار شَعبي لأزَمَات مُتعدّدة يعيشُها الشّعب الفِلسطيني عَلى المُستوى الوَطني والمَعيشي والتي تجِد مِن محمّد دَحلان الرّجل الذي سَينقذُها وَطنيًا مِن مَآسِيها ومُخلّفات رِئاسة محمُود عبّاس، هَذا هُو الحِس الشّعبي وهُو لا يتنَافَى مَع الدّور الاقليِمي فِي عاَلم ينظُر اليَوم لقضَايا في الأمن الدّولي والإقلِيمي وإستِقرَار شُعوب المَنطِقة أمَام إرهَاب لا يَستثنِي أحدًا.

مِن هُنا يأتِي التصوّر والإستقرَاء والتّحلِيل، ولأنّ كُل شَيء مُجمّد بخُصوص الصّراع مَع الاحتِلال لحَيثيّتِين أساسيّتين بأنّ المِلف الفِلسطيني مُجمّد وبرَغم بُروز عِدة مُبادرات بهَدف مِلئ الفَراغ زَمنيًا كالمُبادَرة الفَرنسيّة والعَربية والسّويسريّة وصَفقة القَرن  وإضَاعة الزّمن فِي لقِاءات حَول المُصالحة فهِي مُجرّد أنشِطة تحضيرًا لمُتغيّرات قَادمَة عَلى المَنطقة ولمَرحَلة مَا بَعد محمُود عَباس أيضًا.

ولكَي تُوضَع الأبجديّات فِي مَحلّها وقِيمتِها وأهدَافها فَإنّ محمّد دَحلان هُو ابن هَذه الحَركة الوَطنيّة وابن المُخيّم وابن هَذا الشّعب فإنّ كَان هُو خِيار الشّعب وبالخِيار الدّيموقرَاطي  فستقِف دِول الإقليم مَعه بالتّأكِيد فالبُعد الذّاتي والإقلِيمِي مِن المُهم وخَاصةً كَحَالة الشّعب الفِلسطيني والعَالم لا يَعترِف إلّا بالأقويَاء ولمَن هُم يتمتّعُون بحَاضِنة شَعبيّة.

سميح خلف

                  Web Backlinks